من نصائح المحاسبي

جزء من "رسالة المسترشدين"

للإمام العارف الحارث بن أسد المحاسبي، أبو عبد الله (المتوفى: 243هـ)

"...وجدد فِي كل وَقت تَوْبَة وَاجعَل عمرك ثَلَاث سَاعَات: سَاعَة للْعلم وَسَاعَة للْعَمَل وَسَاعَة لحقوق نَفسك وَمَا يلزمك.

وَاعْتبر بِمن مضى وتفكر فِي منصرف الْفَرِيقَيْنِ بَين يَدي الله تَعَالَى فريق فِي الْجنَّة بِرِضَاهُ وفريق فِي السعير بسخطه واعرف قرب الله مِنْك وَأكْرم الْحفظَة الْكَاتِبين.

وَتَنَاول نعم الله بالفهم وردهَا إِلَيْهِ بِحسن الثَّنَاء وَالشُّكْر

وَاحْذَرْ من اتهام النَّفس بِرُؤْيَة المقامات وتسفه الْحق بغمط النَّاس فَإِنَّهُ سم قَاتل وَاعْتَزل خوف السُّقُوط من أعين النَّاس لخوف مقتهم وَخَوف الْفقر بِقرب الْأَجَل
وأخف أثرك مَا اسْتَطَعْت

 

وابذل الْجهد عِنْد المشورة وَأحب فِي الله بعزم واقطع فِي الله بحزم
وَلَا تخالل إِلَّا تقيا عَالما وَلَا تخالط إِلَّا عَاقِلا بَصيرًا
وَكن مقتديا بِمن قبلك من الائمة ومعلما لمن بعْدك من الْأمة، إِمَامًا لِلْمُتقين، كهفا للمسترشدين.

وَلَا تظهرن إِلَى أحد شكوى وَلَا تَأْكُل بِدينِك الدُّنْيَا

وَخذ بحظك من الْعُزْلَة وَلَا تأخذن إِلَّا حَلَالا وجانب الْإِسْرَاف واقنع من الدُّنْيَا بالكفاف

واطلب الْأَدَب فِي بساتين الْعلم والأنس فِي مَوَاطِن الْخلْوَة وَالْحيَاء فِي شعاب النَّفس وَالِاعْتِبَار فِي أَوديَة التفكر وَالْحكمَة فِي رياض الْخَوْف
واعرف دوَام إِحْسَان الله إِلَيْك مَعَ مخالفتك لأَمره وحلمه عَنْك مَعَ إعراضك عَن ذكره وستره عَلَيْك مَعَ قلَّة حيائك مِنْهُ وغناه عَنْك مَعَ فقرك إِلَيْهِ
أَيْن عَالم بربه أَيْن خَائِف من ذَنبه أَيْن مسرور بِقُرْبِهِ أَيْن مَشْغُول بِذكرِهِ أَيْن مُشفق من بعده هُوَ ذَا مغْفُور لَهُ يَا مغرور ألم يَرك الْجَلِيل قد هتكت الستور
وَاعْلَم يَا أخي أَن الذُّنُوب تورث الْغَفْلَة والغفلة

تورث الْقَسْوَة وَالْقَسْوَة تورث الْبعد من الله والبعد من الله يُورث النَّار وَإِنَّمَا يتفكر فِي هَذِه الْأَحْيَاء وَأما الْأَمْوَات فقد أماتوا أنفسهم بحب الدُّنْيَا

وَاعْلَم أَنه كَمَا لَا يُغني ضوء النَّهَار الْأَعْمَى كَذَلِك لَا يضيء بِنور الْعلم إِلَّا أهل التقى
وكما أَن الْمَيِّت لَا يَنْفَعهُ الدَّوَاء كَذَلِك لَا يُفِيد الْأَدَب فِي أهل الدَّعْوَى
وكما لَا ينْبت الوابل الصَّفَا كَذَلِك لَا تثمر الْحِكْمَة بقلب محب الدُّنْيَا وَمن ألف هَوَاهُ قل أدبه وَمن

خَالف دلَالَة علمه كثر جَهله وَمن لم يَنْفَعهُ دواءه كَيفَ يداوي غَيره
وَاعْلَم أَن أروح النَّاس أبدانا أهل الزّهْد فِي الدُّنْيَا
وأتعب النَّاس قلوبا وَأَكْثَرهم شغلا أهل الاهتمام بالدنيا
وأعون الْأَخْلَاق على الزّهْد قصر الأمل وَأقرب حالات أهل الْمعرفَة ذكر الْقيام لله عز وَجل
قَالَ الله عز وَجل {إِن الله كَانَ عَلَيْكُم رقيبا} وَاعْلَم أَنه لَا طَرِيق أقرب من الصدْق وَلَا دَلِيل

أنجح من الْعلم وَلَا زَاد أبلغ من التَّقْوَى وَمَا رَأَيْت أنفى للوسواس من ترك الفضول وَلَا أنور للقلب من سَلامَة الصَّدْر
وَوجدت كَرَامَة الْمُؤمن تقواه وحلمه صبره وعقله تجمله ومودته تجاوزه وعفوه وشرفه

تواضعه ورفقه
وَاعْلَم أَن محبَّة الْغنى مَعَ اخْتِيَار الله لعَبْدِهِ الْفقر تسخط ومحبة الْفقر مَعَ اخْتِيَار الله لعَبْدِهِ الْغنى جور وكل ذَلِك هرب من الشُّكْر لقلَّة الْمعرفَة وتضييع للأوقات من قصر الْعلم
وَذَلِكَ أَن ايمان الْغَنِيّ لَا يصلحه الْفقر إِيمَان الْفَقِير لَا يصلحه الْغنى كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر أَن الله تَعَالَى يَقُول (إِن من عبَادي من لَا يصلح إيمَانه إِلَّا الْفقر وَلَو أغنيته لأفسده ذَلِك وَإِن من عبَادي من لَا يصلح إيمَانه إِلَّا الْغنى وَلَو أفقرته لأفسده ذَلِك)

وَكَذَلِكَ فِي الصِّحَّة والسقم فَمن عرف الله لم يتهمه وَمن فهم عَن الله رَضِي بِقَضَائِهِ
وَلَو لم يكن لأهل الْعلم إِلَّا هَذِه الْآيَة لكفتهم {وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة}
وَاحْذَرْ أَخْلَاق الْجَاهِلين ومجالسة المذنبين

ودعاوى المعجبين ورجاء المغترين ويأس القانطين
وَكن بِالْحَقِّ عَاملا وَبِاللَّهِ واثقا وبالمعروف آمرا وَعَن الْمُنكر ناهيا
فَإِن من صدق الله نصحه وَمن تزين لغيره فضحه وَمن توكل عَلَيْهِ كَفاهُ وَمن وثق بِغَيْرِهِ مقته وَمن خافه أَمنه وَمن شكره زَاده وَمن أطاعه أكْرمه وَمن آثره أحبه

وَاحْذَرْ أَن تدين لله بِالْعقلِ وتعمل بالهوى وتترك الْحق وتبوء بِالْبَاطِلِ وتتمنى الْمَغْفِرَة وَأَنت نَاس للتَّوْبَة
وَاعْلَم أَنه لَا يرضى من الْعلم وَالْعَمَل إِلَّا مَا ثَبت بِالْيَقِينِ أَصله وَعلا بِالصّدقِ فَرعه وأثمر بالورع نَبَاته وَقَامَ بالإشفاق برهانه وحجب بالخشية أستاره فَلَا ترض من نَفسك بالتواني فَإِنَّهُ لَا عذر لأحد فِي التَّفْرِيط وَلَا لأحد عَن الله غنى
وَاعْلَم أَن من سَعَادَة الْمَرْء حسن النِّيَّة فِيما عِنْد الله تَعَالَى والتوفيق لمحابه
وَمن أَرَادَ الله بِهِ خيرا وهب
لَهُ الْعقل وحبب إِلَيْهِ الْعلم

وحباه بالإشفاق وَاسْتَعْملهُ بالرفق وأغناه بالقناعة وبصره عَيبه

وَاعْلَم رَحِمك الله أَن الصدْق وَالْإِخْلَاص أصل كل حَال فَمن الصدْق يتشعب الصَّبْر والقناعة والزهد وَالرِّضَا والأنس
وَعَن الْإِخْلَاص يتشعب الْيَقِين وَالْخَوْف والمحبة والإجلال وَالْحيَاء والتعظيم
وَلكُل مُؤمن فِي هَذِه المقامات موطن يعرف بِهِ حَاله فَيُقَال لَهُ خَائِف وَفِيه الرَّجَاء وراج وَفِيه الْخَوْف وصابر وَفِيه الرِّضَا ومحب وَفِيه الْحيَاء
وَقُوَّة كل حَال وَضَعفه بِحَسب إِيمَان العَبْد ومعرفته
وَلكُل أصل من هَذِه الْأَحْوَال ثَلَاث عَلَامَات يعرف بهَا الْحَال
فالصدق فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء لَا تتمّ إِلَّا بِهِ صدق الْقلب بِالْإِيمَان تَحْقِيقا وَصدق النِّيَّة فِي الْأَعْمَال وَصدق اللَّفْظ فِي الْكَلَام
وَالصَّبْر فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء لَا تتمّ إِلَّا بِهِ الصَّبْر عَن محارم الله وَالصَّبْر على اتِّبَاع أَمر الله وَالصَّبْر عِنْد المصائب احتسابا لله

والقناعة فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء قلَّة الْغذَاء بعد وجوده وصيانة الْفقر عِنْد الْعَدَم وَقلة الْأَسْبَاب والسكون إِلَى أَوْقَات الله عز وَجل مَعَ حُلُول الْفَاقَة
وللقناعة أول وَآخر فأولها ترك الفضول مَعَ وجود الاتساع وَآخِرهَا وجود الْغنى مَعَ فقد الْأَسْبَاب وَمن هَاهُنَا قَالَ بَعضهم القناعة أَعلَى من الرِّضَا
وَإِنَّمَا أَرَادَ قناعة التَّمام لِأَن الراضي لَا يتَعَرَّض فِي الْمَنْع وَالعطَاء والقانع غَنِي بربه لَا يحب الزِّيَادَة مَعَه من حَظّ هُوَ لَهُ إِلَّا مِنْهُ لَهُ
والزهد فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء لَا يُسمى زاهدا إِلَّا بهَا خلع الْأَيْدِي من الْأَمْلَاك ونزاهة النَّفس عَن الْحَلَال والسهو عَن الدُّنْيَا بِكَثْرَة الْأَوْقَات
وَيكون الرجل متزهدا بِثَلَاثَة أخر حمية النَّفس عِنْد

ترامي الإرادات والهرب من مَوَاطِن الْغنى وَأخذ الْمَعْلُوم عِنْد الْحَاجة
والأنس فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء أنس بِالْعلمِ وَالذكر فِي الْخلْوَة وَأنس بِالْيَقِينِ والمعرفة مَعَ الْخلْوَة وَأنس بِاللَّه عز وَجل فِي كل حَال
وَالرِّضَا نظام الْمحبَّة
وَنَفس التَّوَكُّل روح الْيَقِين
وَقد ذكر عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ والفضيل بن عِيَاض رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ الرِّضَا التَّوَكُّل
فَهَذِهِ شعب الصدْق الْمَأْخُوذَة بأوصاف الْعلم
وَكَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ رَحمَه الله يَقُول إِذا كمل صدق الصَّادِق لم يملك مَا فِي يَدَيْهِ
وَأما شعب الْإِخْلَاص فَلَا يُسمى المخلص مخلصا حَتَّى يفرد الله عز وَجل من الْأَشْبَاه والأنداد والصاحبة وَالْأَوْلَاد

ثمَّ إِرَادَته الله بِإِقَامَة التَّوْحِيد وَجمع الْهم لَهُ وَبِه فِي النَّفْل وَالْفَرْض
وَصِحَّة الْيَقِين فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء سُكُون الْقلب إِلَى الثِّقَة بِاللَّه والانقياد لأمر الله والإشفاق والوجل من سَابق الْعلم
ولليقين أول وَآخر فأوله الطُّمَأْنِينَة وَآخره إِفْرَاد الله بالكفاية لقَوْله جلّ وَعز {يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ} والحسب هُوَ الْكَافِي والمكتفي هُوَ العَبْد الراضي بِمَا قضى
وَإِنَّمَا قُلْنَا آخر الْيَقِين من وجود أَوْصَاف العَبْد مقَام الْإِيمَان لَا فِي آخر الْيَقِين من الْعلم وَلنْ يبلغ ذَلِك

أحد من خلق الله كَمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لن يبلغ أحد من الله كنها) قَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّا بلغنَا أَن عِيسَى ابْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يمشي على المَاء قَالَ لَو ازْدَادَ يَقِينا وخوفا لمشى فِي الْهَوَاء
وَلَا يكون الْخَوْف إِلَّا بعد الْيَقِين وَهل رَأَيْت خَائفًا لما لم يستيقنه

وَالْخَوْف فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء خوف الْإِيمَان وعلامته مُفَارقَة الْمعاصِي والذنُوب وَهُوَ خوف المريدين
وَخَوف السّلف وعلامته الخشية والإشفاق والورع وَهُوَ خوف الْعلمَاء
وَخَوف الْفَوْت وعلامته بذل الْجهد فِي طلب مرضاة الله بِوُجُود الهيبة والإجلال لله عز وَجل وَهُوَ خوف الصديقين
ومقام رَابِع فِي الْخَوْف خص الله بِهِ الْمَلَائِكَة والأنبياء عَلَيْهِم السَّلَام وَهُوَ خوف الإعظام لأَنهم آمنون فِي أنفسهم بِأَمَان الله لَهُم فخوفهم تعبدهم لله إجلالا وإعظاما
والمحبة فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء لَا يُسمى محبا لله عز وَجل إِلَّا بهَا محبَّة الْمُؤمنِينَ فِي الله عز وَجل وعلامة ذَلِك

كف الْأَذَى عَنْهُم وجلب الْمَنْفَعَة إِلَيْهِم
ومحبة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لله عز وَجل وعلامة ذَلِك اتِّبَاع سنته

قَالَ الله جلّ ذكره {قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله} 2
ومحبة الله عز وَجل فِي إِيثَار الطَّاعَة على الْمعْصِيَة وَيُقَال ذكر النِّعْمَة يُورث الْمحبَّة.

وللمحبة أول وَآخر فأولها محبَّة الله بالأيادي والمنن قَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ جبلت الْقُلُوب على حب من أحسن إِلَيْهَا. وأعلاها الْمحبَّة لوُجُوب حق الله عز وَجل قَالَ عَليّ بن الفضيل رَحْمَة الله عَلَيْهِ إِنَّمَا يحب الله عز وَجل لِأَنَّهُ هُوَ الله. وَقَالَ رجل لطاووس أوصني قَالَ أوصيك أَن تحب الله حبا حَتَّى لَا يكون شَيْء أحب إِلَيْك مِنْهُ وخفه خوفًا حَتَّى لَا يكون شَيْء أخوف إِلَيْك مِنْهُ وارج الله رَجَاء يحول بَيْنك وَبَين ذَلِك الْخَوْف وَارْضَ للنَّاس مَا ترْضى لنَفسك قُم فقد جمعت لَك التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَالْفرْقَان