مدينة وادان التاريخية

احتفلت موريتانيا بالنسخة الثانية من مهرجان المدن القديمة  في مدينة وادان التاريخية، وتواصلت فعاليات المهرجان لمدة سبعة أيام حتى العاشر من فبراير الحالي، وشكلت هذه الأيام فرصة للتعرف على زمن مضى، والاستمتاع بتاريخ وفنون الحضارات القديمة. ومكن المهرجان من خلال النشاطات الثقافية والتراثية إلى إبراز التراث المعماري والثقافة الموريتانية في مدن تاريخية أصبحت مهددة بالزوال مثل شنقيط ووادان وتيشيت وولاتة، وبيان الدور الفكري والعلمي والتجاري الذي لعبته هذه المدن في الإشعاع الثقافي.

التعريف بوادان
وادان مدينة أثرية ضاربة في القدم تقع على بعد 170 كلم إلى الشرق من مدينة أطار في ولاية آدرار ويعود تاريخ تأسيسها إلى عام 536هـ 1142م .
أسس المدينة ثلاثة من تلامذة القاضي عياض هم : الحاج عثمان الأنصاري والحاج يعقوب القرشي والحاج علي الصنهاجي والتحق بهم بعد ذلك الحاج عبد الرحمن الصائم ، وتقول الرواية التاريخية أن هؤلاء الحجاج الثلاثة كانوا يقطنون في قري قرب وادان وأنهم هجروها بعد عودتهم من الحج وقرروا تأسيس وادان.
 

وقد قاموا ببناء سور لحمايتها من الغزو الذي كان سائدا في ذلك العصر والمدينة مبنية على حافة جرف و قد كانت مدينة وادان مركز اشعاع علمي و فيها شارع الاربعين عالما وتعتبر قبلة للسياح لما تتمتع به من مناظر خلابة وما تحويه من بيوت أثرية وقد عرفت أوج ازدهارها فالقرن السادس الهجري وقد أعلنتها اليونسكو إرثا حضاريا عالميا .

الدور التاريخي :

يأتي موقع وادان في طريق القوافل، ليوفر لها وضعًا خاصًّا، من حيث الغناء والازدهار الاقتصادي.الأمر الذي يجعلها محط طمع القبائل البدوية التي تقع مرابضها ومضاربها حول وادان خصوصًا في الأوقات التي تعصف فيها الظروف بهذه القبائل "كفصل الصيف الذي تهجر فيه الفرحة وجوه أولئك المحاربين فيبدءون في الغزو. وتأتي مدينة وادان كصيد ثمين هين الالتقاط"، وقد دفع هذا الوضع سكان المدينة إلى إنشاء سور عظيم حول المدينة، يكون من القوة والضخامة بحيث يصد حتى تطلعات أولئك البدو والغزاة.
وفعلاً تم إنجاز هذا السور، وقد سهَّل ذلك وضع المدينة في سفح جبل كبير يكاد يلتف حولها، ويحضنها بحنان، سهل ذلك الوضع إقامة هذا السور العظيم، حيث كان يتدرج من أعلى الجبل إلى أسفله آخذًا شكلاً دائريًّا. وقد وفَّر هذا السور لأهل المدينة فرصة نادرة، من أجل الحفاظ على حياتهم وممتلكاتهم.إذ تحكي الروايات أن وادان لم تُنهب مرة منذ إنشاء السور.حتى صار مضربًا للأمثال الشعبية "إش عليك يا وادان من عيطة آخر الليل.

سور وادان

 توضح الخرائط الأثرية للسور أنه كان على شكل دائرة تمتد من أعلى الجبل غربًا لتنتهي عند سفحه شرقًا.وبُنِيَ دائريًّا ليضم عيون المياه التي تقع على بعد مسافة نصف كيلو متر شمال المدينة.
يبلغ سمك حائط السور مترًا ونصف المتر، ويبلغ ارتفاعه أربعة أمتار في الأماكن البعيدة عن البوابات، بينما يبلغ ارتفاع السور وسمكه عند البوابات الضعف، ومواد البناء التي استخدمت في بناء السور هي الحجارة والطين ومواد أخرى استقدمت من فاس والقيروان.

للسور أربع بوابات، كل واحدة منها في جهة من الجهات الأربع.أضخمها البوابة الشرقية وتدعى فم المبروك. وكان لتلك البوابات حرس خاص يعملون طوال اليوم ولهم زي يميزهم. يتم تدريبهم وانتقاؤهم من بين الأقوياء ، و يوجد على رأس كل فرقة عريف من أبناء أعيان المدينة، وكان لكل باب طبل خاص، يقرع عددًا معينًا من المرات، إيذانًا بفتحه أو إغلاقه.
كانت هذه البوابات موزعة من حيث أهميتها، حيث لكل واحدة منها قيمة خاصة وهدف تقوم به. ففي الوقت الذي تمثل فيه بوابة فم المبروك مدخلاً رئيسيًّا للقوافل القادمة من المشرق من مصر و الحجاز و تونس و السودان و الشام وكذلك من الجنوب الشرقي من مالي. تقابل هذه البوابة بوابة أخرى من جهة الغرب، وهي أصغر حجمًا، وتدعى فم القصبة، وخصصت هذه البوابة للقوافل القادمة من النهر السنغالي، وتُدْعى تلك القوافل "القارب". هذا في الوقت الذي تمثل البوابتان الجنوبية والشمالية مصدري دخول وخروج الحيوانات وأصحاب المشاغل من سكان المدينة.

مكانتها التجارية والعلمية

يعتبر القرن الثامن عشر، وكذلك العقود الثلاثة الأولى من القرن التاسع عشر، فترة الازدهار الذهبية للمدينة، وقد كان ذلك لعدة عوامل تضافرت مجتمعة، من بينها الموقع المتميز في قلب الصحراء، والأمن والاستقرار اللذان وفرهما سور وادان في وقت كانت التجارة الدولية عبر الصحراء تشهد ازدهارًا منقطع النظير، فكانت القوافل تمخر عباب تلك الصحراء حاملة الملح والدقيق، والحبوب متجهة نحو المشرق، ثم قادمة منه، وكلها تمر بوادان تقريبًا.الأمر الذي جعل المدينة تعج وترفل في نعيم مقيم. وتزدهر ليس كسوق اقتصادية ومحطة تجارية هامة فحسب، وإنما كمصدر إشعاع حضاري منقطع النظير، طارت شهرته العلمية والثقافية عبر الآفاق، وأخذ اسمها يلمع كمنافس قوي لمدن أخرى عتيقة كانت ترتدي حلة المعرفة والثقافة في المغرب كشنقيط و فاس و القيروان.

مكانتها الثقافية 

تقول الروايات التاريخية إن طالب العلم – أيًّا كان مستواه أو الفرع المعرفي الذي يتعلمه - يجلس في الطريق ليجد من يتلقي عليه العلم. كما يتعضد هذا المثل، ويزداد ترسيخًا إذا علمنا أن في مدينة وادان شارعًا لا يزال معروفًا يقال له: "شارع الأربعين عالما" لكثرة العلماء به، وهذا يدل علي الإنتشار العمودي والأفقي للثقافة في المدينة وهو ما يظهر جليا من خلال إطلاعها بإقدم المؤلفات المعروفة في المنطقة " موهوب الجليل" ورجوع الكثير من الأسانيد العلمية لمشاهير فقهائها من أمثال أحمد بن أيد القاسم و الحاج أحمد مسك.

وتمتلئ كتب التاريخ – الموريتاني والمغربي - ومخطوطاته بالحكايات عن كرم وأصالة أهل وادان ونبلهم.فهم أهل الخير والعلم، فكلمة وادان تحريف لتثنية كلمة واد والواديان المعنيَّان هما "واد من علم، وواد من تمر".

وكان أهل وادان يتبعون نظامًا خاصًّا في كل شيء، من ذلك أنهم يفتحون في كل حي دارًا للضيافة يتم الإشراف عليها بالتناوب. وقد بلغ أهل المدينة حدًّا لا يوصف من التكافل الاجتماعي، إذ يكفي أحدهم لبناء دار أن يفكر فيها؛ فيقوم الكل بالمساهمة فيها حتى تقام.