ولاتة..كنوز من الذاكرة الشعبية

 عالى بن مروان

museo_chanad

 إن تطور المجتمعات وديناميكيتها تُخلف ثراء كبيرا في الأساليب وابتكار الأدوات بفعل تراكم الأعراق المختلفة على منطقة بعينها ، وهكذا نجد الوسط الولاتي متميزا في نمط عيشه وعمارته وصناعاته الحرفية المتعددة.

 ذلك أن عادات وتقاليد ولاته، التي هي محور هذه المداخلة، تكاد تكون مجهولة لدى الكثيرين ومختلفة نمطا وأسلوبا عن الإرث الاجتماعي في باقى مناطق البلاد، وهكذا يجدر بالحريصين على الشأن الثقافي أن يعملوا على تسجيلها وإبرازها استئناسا بمقولة ياقوت المستعصمي بأن "عمارة الفكر البشري تتأسس على أدوات مادية".

يتكون المجتمع الولاتي من فئات وطبقية متنوعة فهناك التجار، والعلماء والكتاب والفنانون وهناك طائفة من أهل الحرف التي يمتهن الرجال منها صياغة المعادن النفيسة كالذهب والفضة والنحاس. وآخرون يشتغلون في البناء وصناعة أدوات التنمية الحيوانية ولكل من هذه الفئات حي يتواجدون فيه وأماكن خاصة يمارسون نشاطاتهم فيها.

أما النسوة فمتعددة هي النشاطات التي تختلفن إليها كتصميم وإنجاز ديكور المنازل وتحضير الأغذية المختلفة وصناعة الخزف والفخار.

أ- النشاط التجاري: ظل ذا تاثير كبير منذ العصور الوسطى حتى اليوم وكان يعتمد على المسالك الصحراوية التي تتبعها القوافل ومنها قديما خفارة الطريق، وحفر الآبار ففي القديم كانت بولاته شركة أبناء المقري المشهورة التي كان لها ممثل في ولاته وآخر بسجلماس وتلمسان وقد عرفت المدينة عبر تاريخها ثلاثة معارض ملح عرفت ب"أزلاي" وهي عبارة عن قافلة تصل في بعض الأحيان إلى ألف بعير وتباع فيها جميع العروض حتى الإبل نفسها وعادة ما تكون متجهة نحو سبخة أو مركز تلاقي القوافل، وعرفوا أيضا أسماء ك"الرفكه" التي تنطلق مرتين في السنة بغرض شراء الحبوب من الجنوب، و"المقطر" الذي يُعد اقل منها عددا يتفرع عنها إلى جهات أخرى كما يفعل المحسنون.

 وقد شاع في هذه البلاد مثل : يعرف

"بكلمتك قد أزوايلك" واستعملوا في الأوزان "النفكه"، و"المد"، و"الربعية"، وكانوا يتعاملون أولا بالقواقع (الودع ) أوالونزري ومن ثم بالنقود كالطنك، و البكن، والسفاي، يقول أحد الشعراء الولاتيين:

" ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة

                بُعيد العشاء حول الإمام ببمبري

يفاكهنا سعد يفوح دخانه

            وفي شدقه ثنتان من قور كنكري

يجاذب أطراف العلوم وتارة

          يحدث عن صغرى وعن صرف ونزري

وقد أدركنا المبادلات مازالت تتم بشراء بعض المواد ببعضها ، يسمونها آنذاك المقابلة عند شراء  مثل المون ( أو الكسور ). ولا يقبلون المبايعة إلا لمن نبتت له الأسنان الأمامية " يعني أمبدل" بالنسبة للأطفال.

ب- أما العلماء والكتبة : فتقوم عليهم مجمل الحياة الدينية ، وذلك أنهم يمارسون التدريس ونسخ المخطوطات في المحاظر ودور التلاميذ أو المساجد.

وتقوم عملية التدريس بمرور الطلاب الذين بلغوا سن الفهم والمنتسبين ل"دور التلاميد" على أكثر من عالم ومتخصص بغية شرح المتون المتداولة وهي في أغلبها: من الأخضري إلى شرح مختصر خليل مرورا بابن عاشر ورسالة ابن أبي زيد القيرواني و إضاءة  الدجنة فى العقيدة. وبقية العلوم كاللغة العربية، الخ.

 أما العادات الدينية فكلها مؤرخة بمواسم تتبع برنامج المسجد على مر السنة. فهنالك مواعيد محددة تنتقل بها الصلاة من باحة المسجد الخارجية إلى صحنه الداخلي إيذانا بتغير الفصول.

-          ففى "ليلة دخول الإمام": أي الليلة التى تنتقل الصلاة فيها إلى الصحن الأكثر دفئا من المسجد. وهي ليلة الجمعة الأولى من نوفمبر وهي بداية الشتاء، ويقوم المداحون بانشاد مدائح معينة احتفاء بهذا الموسم الجديد  : حرف من ابن وهيب ، ووسيلتي "للبرتلي"

-          ليلة "خروج الإمام" : ليلة الجمعة الأولى من ابريل حيث يمدحون حرفا آخر من أبن وهيب والقصيدة التي مطلعها" شوقي لخير البشر" في الصحن المكشوف من المسجد بمناسبة إقامة صلاة المغرب والعشاء في الخارج ويفضل العلماء الولاتيون أن يضيفوا إلى سيرهم الذاتية عبارة "وكان مداحا للنبي صلى الله عليه وسلم".

-          وكان الولاتيون يهتمون كثيرا بتدارس سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وذلك في ناديَي المدينة ، نادي ( كث عباس) في شرق المدينة ونادي أهل أعلى ولد الشيخ المعروف ب(اكدن) ويقرؤون فيه أيضا كتاب الشفاء للقاضي عياض في شهر رمضان كله مقسما إلى 29 جزءا

وقد ظلت إمامة المسجد مستقرة في أسرة معينة بالتوارث حتى طعن الفقيه محمد يحيى الولاتي فى تلك الممارسة ووصفها بأنها وراثية غير خاضعة للأصول الشرعية.

 

ج-أما الكَتَبة: النساخون فيهتمون بنقل الكتب المخطوطة مقابل أجر معلوم حسب حجم التأليف  كأن يكون  تعويضه جدعة من البقر أوجدعتان أو أكثر. ويقوم عمله على النسخ و التزيين بالألوان كالتذهيب والاحمرار ومن أدواته القلم و"الدواية" (حاوية المداد) واللوح المدعم والنظارات إذ كان لا بد منها، ويوضع إلى جانبه حبات من الزرع الأخضر المعروف عندنا " بمتري: يضعه في فيه ويبتلعه إذ يساعد ذلك في تقوية الرؤية حسب عادة القوم.

ويوجد وسط المدينة فضاءات تعرف ب"الظليلة" وهي ممر من الشارع مسقوف ومفتوح الجانبين، و"الرحبة" مكان فسيح مدعم بمساطب تعرف عندهم ب"آبناب" وإذا كانت كبيرة تعرف ب"بمبري" يجلس عليها الأعيان والعلماء وتكون مفروشة بتراب بيضاء ناصعة نظيفة تعرف بتراب "مام" بتفخيم الميم، يتداولون فيها في الأمور العامة، كما تُناقش فيها الفتاوي والنوازل وتعقد فيها مجالس تقسيم التركة، وتعرض بعض الثروات فيها للمزاد وبمحضر جميع الأطراف حتى لا يحدث غبن للورثة.

 

د‌-      أما الأنشطة النسائية: فنجد أن النشاطات التي كانت تمارسها النساء كثيرة. ومن أهمها الحياكة والتطريز المعروفة عندهم بالنسبة للملاحف ب"التقباظ" بواسطة أسلاك من الحرير ذات  ألوان موحدة وتلبس ذوات الحسب من النساء عادة ملحفتين العليا منها تغطي الجسم العلوي فوق الملحفة والسفلى تعرف ب"اجلال"

وكان هناك لباس خاص بالفتيات تعرف ب"الشاية"  بالنسبة للاتي لم يبلغن سن الرشد وهي دائرية حول الرقبة مطرزة حتى الصدر بأشكال هندسية و نباتية بديعة وعادة ما تكون سوداء مشعة (النيلة) أو خضراء زاهية.

أما بالنسبة للرجال فلباسهم تحول من الجلابية والبرنس إلى القشابة التي تتميز عند الموسرين بكونها مطرزة بل وربما بدراعتين واحدة سوداء صباغتها من نون كني وأخرى فضية أو بيضاء وعادة من خنط ديمي ويلبسون في الأغلب الأخفاف المستوردة من الصويرة رجالا ونساء وكل هذه الخياطة كانت تقوم بها النساء وبالتطريز باليد.

ويقمن أيضا بصناعة الخزف أو الفخار وينتجن منه أشكالا شتى وكانت الأدوات المنزلية الأولى جلها مصنوع من الفخار المشوي، بعضها يحمل رسومات هندسية ذات مسميات ربما كانت بلغة أزير ك"فوتنبن" أداة لطبخ الكسكس، و"صلنبن" لغسل اليدين والوضوء في فصل الشتاء، و"بوصنبن" للتبول في ليالى الشتاء الباردة دون حاجة للخروج من البيت. و"تنتن" آنية لحفظ النشويات والحبوب. ولهذه الأدوات نكتة طريفة ذات طابع أمني حيث أن أحد الولاتين كان يعمل بحقله خارج المدينة، إذ باغتته كوكبة من الفرسان، تستجوبه عن طبيعة وقوة ساكنة المدينة فأجاب ساخرا أنها يشرف على حراستها أربع إخوة أشداء هم "أبناء أمبن"، أي "فوتنبن" و"صلنبن و"بوصنبن و"تنتن"،  فخافوا وعادوا أدراجهم   !

وهناك أواني أخرى ذات استعمالات مفيدة كالتدفئة نجد "بنبيزة" ولجلب  الماء من البئر توظف أداة  تعرف ب"التنقة".

وقد تأثرت ولاته كثيرا بفعل الشعوب التى تعاقبت عليها، ولغاتهم المختلفة. فنجد مسميات أزيرية وأخرى من الصونغاي والبامبار والطوارق ومن ثم الحسانية.

 إضافة إلى ما سبق من أنشطة النسوة، فإنه ترجع إليهن أيضا مهمة صيانة وتزيين البيت فنجد النساء البارعات يتبارين في تجويد الزخرفة ذات الأصل الأندلسي أو المورسكي وموادها كلها محلية كتمنق، والطين الأحمر والصمغ و"طين اعلى". فعرفوا "القطيعة" ، "الطرحة"، و"المشيمعة"...

ا العمارة ، فحدث ولا حرج... فهي مستقاة من أصول موغلة في القدم هاجسها الأول أمني، يوحي بالبقاء في المكان فترة الاضطرابات أطول مدة ممكنة ذلك أن الدار الولاتية تتضمن الغرف الآتية:

-          وتختلف النساء إلى أنشطة من الطبخ تكاد تكون هي الأخرى مميزة أو فريدة وتقوم مجملها على منتجات محلية. كمشتقات الحبوب من زرع غليظ ( بشن) أو زرع أخضر ما يعرف بشوتت أو "متري"... وكل الأواني المستعملة في ذلك من الخزف المحلي. ومن أهم هذه الوجبات "المون" من دقيق الزرع أو دقيق القمح ) ويطبخ في ما يعرف ب"البريات". والحمام المحمر المخلوط بالتوابل والبزارات المعروفة عندهم ، والتمر. و"العيش وتغية"، الأشربة المعروف عنده ك"دقنُ" و"مكوري"، وسنجتي ) والحلويات المعروفة  قديما ( كبزباز، وصداقة، و"تكلا" وماترو ومصني وهذين العنصرين يطبخان في القدر مع التراب بدون ماء، وهناك مثل ساري عندما يطلب الماء من أحد إذا كان غير موجود فإنه يجيب ب: مرندينا يقلي ماترو.

ومن عادات الزواج عرفوا خطبة الرجال، وقرسُ أو خطبة النساء ولملاك أو عقد الزواج ثم يأتي "المروح" ومن عاداتهم خلافا لسائر البلاد أن الذي سيروح الرجل على أساس القول المأثور "الحرة لا تسري".

 ه_أم

 

-          كتو: بيت خاص بمالك البيت وزوجته، وراءه بيت خاص للأبناء يعرف ب"السكفه" فيه حاجز بين الأطفال والبنات يعرف ب"بلمبل" يتدلى بينهما، وراء ذلك "بيت الخزين" وبه "كوناري" أو المتمورة التي تُحفظ فيها جميع متطلبات المأكل من حبوب  ودقيق ودهون.

- وأول بناء يتم رفعه هو قبو المنزل وهو بيت ينزل إليه أهل الدار بدرجات ومزودين بمصابيح تعرف ب"لقبنية" وقد صمم لإخفاء الساكنة واحتمائهم داخله في حال هجوم خارجي فى فترة الاضطرابات.

-  أما في الجانب الآخر من الدار (مقابلا ل "كتو" سابق الذكر)، فهناك "الدرب" المفتوح على فناء الدار أوالحوش.  ويعتبر "الدرب" غرفة استقبال (أو صالون) في فترة الصيف، أما الحوش فبداخله "الكورة" وهي بمثابة بنية هرمية تستخدمها النساء المتزوجات حديثا أو النفساء وذلك فترة الصيف. وبوسط الحوش، فتحة منخفضة تنساب منها مياه الأمطار والمجاري خارج الدار، وهي بذلك نوع من الصرف الصحي، وعادة ما تكون مغطاة بحجر لا يكاد يميز.

- أما مدخل الدار فيعرف ب"كتو فم الدار" وهو يشبه قاعة انتظار قبل الولوج إلى فناء الدار، وبابه الخارجي مصنوع من خشب أكلال ومزركش بالمرصعات النحاسية يتصدره جرس يعرف ب"السرسارة" يُطرق لدى الدخول وتتشابه هذه الأبواب مع مثيلاتها في فاس ومراكش وتمبكتو.

- وفي الطابق العلوي غرف تعرف ب"القرب" يكون إلى جانبها في بعض الأحوال بيت الخزين العلوي.

ويتم تزيين  المدخل الخارجي وحيكان الفناء من الداخل وكذلك "الدرب" بالزخرفة الأندلسية الأصل، ذات الألوان الزاهية، التى تتعاطاها النساء كما أشرنا آنفا من"القطيعة" ، إلى "الطرحة"، إلى "المشيمعة"... 

 و- أما الصاغة والحدادون فيشتغلون في صياغة المجوهرات وصناعة الأواني وإصلاح ما فسد منها ويقومون في كل هذا قبل البدء بالعمل ببعض الصلوات والأذكار سعيا إلى  تيسير العمل وحماية لأنفسهم من العين ومن الأرواح الشريرة كالآيتين (وألنا له الحديد، وأنزلنا الحديد فيه باس شديد ومنافع للناس).

بينما يختلف الآخرون إلى بعض الأشغال كبناء المنازل وترميمها معتمدين في ذلك على المواد الأولية المتوفرة ك"تمننك" و"الطين الأحمر" و"الطين العادي" و"الطين الأبيض" و"تراب ماما" وغيرها، وللحرفيين أماكن خاصة تعرف بالظليلة يمارسون فيها بعض أعمالهم من تدريس وصناعة للحبال والخزف وعرض للمشتريات.