من أسرار الصلاة

أسرار الصلاة من كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي

الصلاة عماد الدين، و "عصام اليقين وسيدة القربات وغرة الطاعات" كما جاء فى عبارة "الإحياء".و هي كما يقول عارف آخر: "هدية الله للمؤمنين، وقرة عُيون المحبين، و لذة أرواح الموحدين، و بستان العابدين و لذة نفوس الخاشعين، و محك أحوال الصادقين، و ميزان أحوال السالكين ..."
وإذا كان الفقهاء قد استقصوا أصولها وفروعها في فن الفقه، فإن أسرارها الباطنة من النادر أن توفى حقها من المعالجة والتعليم، لا سيما فى المحظرة الشنقيطية والولاتية بالتحديد... ونورد هنا تلخيصا مع شيء من التهذيب لبعض من فصول "أسرار الصلاة" فى الإحياء، لحجة الإسلام الغزالي رحمه الله.

ولعل الذكر والخشوع هما روح الصلاة ولبها. قال الله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14]، ظاهر الأمر الوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل في صلاته كيف يكون مقيما لها لذكره تعالى.

وقال سبحانه: {ولا تكن من الغافلين} [الأعراف: 205] وقال تعالى: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}[المؤمنون: 1- 2] جعل أول مراتب الفلاح الخشوع في الصلاة إعلاما بأن من فقده فهو يبعد مراحل عن الفوز والنجاح الذي هو معنى الفلاح. ورُوي: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا». وقال ابن عباس: ركعتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه.

اشتراط الخشوع وحضور القلب:

يؤكد الغزالى  أن أدلة ذلك كثيرة فمن ذلك قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14] وظاهر الأمر الوجوب،  وقوله تعالى: {ولا تكن من الغافلين} [الأعراف: 205] نهي وظاهره التحريم وقوله تعالى: {حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] تعليل لنهي السكران وهو مطرد في الغافل المستغرق الهم بالوسواس وأفكار الدنيا وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الصلاة تمسكن وتواضع» حصر بالألف واللام وكلمة «إنما» للتحقيق والتوكيد وقوله صلى الله عليه وسلم: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا» وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء والمنكر وقال صلى الله عليه وسلم: «كم من قائم حظه من صلاته التعب والنصب» وما أراد به إلا الغافل.
وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها» والتحقيق فيه أن المصلي مناج ربه عز وجل كما ورد به الخبر والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة البتة (..) ولا شك في أن المقصود من القراءة والأذكار الحمد والثناء والتضرع والدعاء والمخاطب هو الله عز وجل والقلب بحجاب الغفلة محجوب عنه فلا يراه ولا يشاهده بل هو غافل عن المخاطب واللسان يتحرك بحكم العادة فما أبعد هذا عن المقصود بالصلاة التي شرعت لتصقيل القلب وتجديد ذكر الله عز وجل ورسوخ عقد الإيمان به.
وبالجملة فحضور القلب هو روح الصلاة ومن عرف سر الصلاة علم أن الغفلة تضادها.

بيان المعاني الباطنة التي بها تتميز حياة الصلاة:

يجمع تلك المعاني على كثرتها ست مفاهيم كبرى: حضور القلب، التفهم، التعظيم، الهيبة، الرجاء، والحياء.

ويتناول الإمام الغزالى تلك المفاهيم بتفاصيلها، ثم أسبابها ثم العلاج في اكتسابها.
أما التفاصيل: فالأول: حضور القلب ونعني به "أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلم به فيكون العلم بالفعل والقول مقرونا بهما ولا يكون الفكر جائلا في غيرهما". والتفهم لمعنى الكلام "أمر وراء حضور القلب وهو اشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة تمنعه عن الفحشاء والمنكر". والتعظيم "وراء الحضور والفهم وهو زائد عليهما"، وإن كان ثمرة لهما. والهيبة "زائدة على التعظيم، وهي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم والإجلال". والرجاء : "الطمع بمثوبته تعالى ويقابله الخوف من عقابه تعالى بتقصيره. والحياء: "استشعار تقصيره وتوهم ذنب".

وأما أسباب هذه المعاني الستة فاعلم أن حضور القلب سببه الهمة فإن قلبك تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما يهمك ومهما أهمك أمر حضر القلب فيه شاء أم أبى فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلا بل جائلا فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى وأن الصلاة وسيلة إليها.
وأما التفهم: فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذهن إلى إدراك المعنى وعلاجه ما تقدم مع الإقبال على الفكر والتشمر لدفع الخواطر. وعلاج دفعها قطع موادها أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها.
وأما التعظيم: فهي حالة للقلب تتولد مع معرفتين:
إحداهما: معرفة جلالة الله عز وجل وعظمته وهو من أصول الإيمان.
الثانية: معرفة حقارة النفس وخستها وكونها عبدا مسخرا مربوبا حتى يتولد من المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه فيعبر عنه بالتعظيم.
وأما الهيبة والخوف: فحالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة الله وسطوته ونفوذ مشيئته فيه مع قلة المبالاة به وأنه لو أهلك الأولين والآخرين لم ينقص من ملكه ذرة. وكلما زاد العلم بالله زادت الخشية والهيبة.
وأما الرجاء: فسببه معرفة لطف الله عز وجل وكرمه وعميم إنعامه ولطائف صنعه ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة بلطفه انبعث من مجموعهما الرجاء لا محالة.
وأما الحياء: فباستشعاره التقصير في العبادة وعلمه بالعجز عن القيام بعظم حق الله عز وجل ويقوي ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها وقلة إخلاصها وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعالها مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال الله عز وجل والعلم بأنه مطلع على السر وخطرات القلب وإن دقت وخفيت وهذه المعارف إذا حصلت يقينا انبعث منها بالضرورة حالة تسمى الحياء.
فهذه أسباب هذه الصفات وكل ما طلب تحصيله فعلاجه إحضار سببه ففي معرفة السبب معرفة العلاج ورابطة جميع هذه الأسباب الإيمان واليقين.

بيان الدواء النافع في حضور القلب:

يقول الغزالي: اعلم أن المؤمن لابد أن يكون معظما لله عز وجل وخائفا منه وراجيا له ومستحيا من تقصيره فلا ينفك عن هذه الأحوال بعد إيمانه وإن كانت قوتها بقدر قوة يقينه فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا تفرق الفكر وتقسيم الخاطر وغيبة القلب عن المناجاة والغفلة عن الصلاة. ولا ينهى عن الصلاة إلا الخواطر الواردة الشاغلة فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه فلتعلم سببه.
وسبب موارد الخواطر إما أن يكون أمرا خارجا أو أمرا باطنا:
أما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر فإن ذلك قد يختطف الهم حتى يتبعه وينصرف فيه ثم تنجر منه الفكرة إلى غيره ويتسلسل ويكون الإبصار سببا للافتكار. ومن قويت نيته وعلت همته لم يلهه ما جرى على حواسه ولكن الضعيف لابد وأن يتفرق به فكره. وعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه ويقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره ويحترز من الصلاة على الشوارع وفي المواضع المنقوشة المصنوعة وعلى الفرش المصبوغة.
وأما الأسباب الباطنة فهي أشد فإن من تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لم ينحصر فكره في فن واحد بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب. فهذا طريقه أن يرد النفس قهرا إلى فهم ما يقرؤه في الصلاة ويشغلها به عن غيره ويعينه على ذلك أن يستعد له قبل التحريم بأن يجدد على نفسه ذكر الآخرة وموقف المناجاة وخطر المقام بين يدي الله سبحانه وهو المطلع ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة عما يهمه فلا يترك لنفسه شغلا يلتفت إليه خاطره.
فإن كان لا يسكن هائج أفكاره بهذا الدواء المسكن فلا ينجيه إلا المسهل الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق وهو أن ينظر في الأمور الصارفة عن إحضار القلب ولا شك أنها تعود إلى مهماته وأنها إنما صارت مهمات بشهواته فيعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع تلك العلائق (...)

فى أسرار  أركان الصلاة وشروطها، وما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل من أعمالها :

إذا سمعت نداء المؤذن فأحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة وتشمر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة فإن المسارعين إلى هذا النداء هم ينادون باللطف يوم العرض الأكبر.
وأما الطهارة: فإذا أتيت بها في مكانك وهو طرفك الأبعد ثم في ثيابك وهو غلافك الأقرب ثم في بشرتك وهو قشرك الأدنى فلا تغفل عن لبك الذي هو ذاتك وهو قلبك فاجتهد له تطهرا بالتوبة والندم على ما فرطت وتصميم العزم على الترك في المستقبل فطهر بها باطنك فإنه موقع نظر معبودك.
وأما ستر العورة: فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق فإن ظاهر بدنك موقع لنظر الخلق فما بالك في عورات باطنك وفضائح سرائرك التي لا يطلع عليها إلا ربك عز وجل فأحضر تلك الفضائح ببالك وطالب نفسك بسترها وتحقق أنه لا يستر عن عين الله سبحانه ساتر وإنما يكفرها الندم والحياء والخوف فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث وجود الخوف والحياء من مكانها فتذل به نفسك ويستكن تحت الخجلة قلبك وتقوم بين يدي الله عز وجل قيام العبد المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسا رأسه من الحياء والخوف.

وأما الاستقبال: فهو صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله تعالى أفترى أن صرف القلب من سائر الأمور إلى أمر الله عز وجل ليس مطلوبا منك؟ هيهات فلا مطلوب سواه وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها والتفاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه الله عز وجل. فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك واعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها فلا ينصرف القلب إلى الله عز وجل إلا بالتفرغ عما سواه.
وأما الاعتدال قائما: فإنما هو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله عز وجل تنبيها على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبرؤ عن الترؤس والتكبر مع ذكر خطر القيام بين يدي الله عز وجل في هول المطلع عند العرض للسؤال واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله عز وجل وهو مطلع عليك فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله.

وأما النية: فعزم على إجابة الله عز وجل في امتثال أمره بالصلاة وإتمامها رجاء لثوابه وخوفا من عقابه وطلبا للقربة منه متقلدا للمنة منه بإذنه لك في المناجاة مع كثرة عصيانك فعظم في نفسك قدر مناجاته وانظر من تناجي وكيف تناجي وبماذا تناجي وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك من الهيبة ويصفر وجهك من الخوف.

وأما التكبير: فإذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذبه قلبك فإن كان في قلبك شيء هو أكبر من الله سبحانه أو كان هواك أغلب عليك من أمر الله عز وجل وأنت أطوع له منك لله تعالى فقد اتخذته إلهك وكبرته فيكون قولك الله أكبر كلاما باللسان المجرد وقد تخلف القلب عن مساعدته وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرمه سبحانه وعفوه.

وأما دعاء الاستفتاح: فأول كلماته قولك «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض» وليس المراد بالوجه الوجه الظاهر فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة والله سبحانه يتقدس عن أن تحده الجهات حتى تقبل بوجه بدنك عليه وإنما وجه القلب هو الذي تتوجه به إلى فاطر السماوات والأرض فانظر إليه: أمتوجه إلى أمانيه وهمه في البيت والسوق متبع للشهوات أو مقبل على فاطر السماوات؟ وإياك أن تكون أول مفاتحتك للمناجاة بالكذب ولن ينصرف الوجه إلى الله تعالى إلا بانصرافه عما سواه فاجتهد في الحال في صرفه إليه وإن عجزت عنه على الدوام فليكن قولك في الحال صادقا. وإذا قلت: «حنيفا مسلما» فينبغي أن يخطر ببالك أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده فإن لم تكن كذلك كنت كاذبا فاجتهد في أن تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من الأحوال. وإذا قلت: «وما أنا من المشركين» فأخطر ببالك الشرك الخفي كمن يقصد بعبادته وجه الله وحمد الناس فكن حذرا متقيا من هذا الشرك واستشعر الخجلة في قلبك إن وصفت نفسك بأنك لست من المشركين من غير براءة عن هذا الشرك فإن اسم الشرك يقع على القليل والكثير منه. وإذا قلت: «محياي ومماتي لله» فاعلم أن هذا حال عبد مفقود لنفسه موجود لسيده وأنه إن صدر ممن رضاه وغضبه وقيامه وقعوده ورغبته في الحياة ورهبته من الموت لأمور الدنيا لم يكن ملائما للحال.

وإذا قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف قلبك عن الله عز وجل حسدا لك على مناجاتك مع الله عز وجل وسجودك له مع أنه لعن بسبب سجدة واحدة تركها وأن استعاذتك بالله سبحانه منه بترك ما يحبه وتبديله بما يحب الله عز وجل لا بمجرد قولك (...)ومن اتخذ إلهه هواه فهو في ميدان الشيطان لا في حصن الله تعالى. واعلم أن من مكايده أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرأ فاعلم أن كل ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس فإن حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها.

فإذا قلت: {بسم الله الرحمن الرحيم} فانو به التبرك لابتداء القراءة لكلام الله سبحانه وافهم أن معناها أن الأمور كلها بالله سبحانه وإذا كانت الأمور به تعالى فلا جرم كان {الحمد لله رب العالمين} ومعناه أن الشكر لله إذ النعم من الله ومن يرى من غير الله نعمة أو يقصد غير الله سبحانه بشكره لا من حيث إنه مسخر من الله عز وجل ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير الله تعالى. فإذا قلت: {الرحمن الرحيم} فأحضر في قلبك جميع أنواع لطفه لتتضح لك رحمته فينبعث به رجاؤك ثم استثر من قلبك التعظيم والخوف بقولك: {مالك يوم الدين} أما العظمة فلأنه لا ملك إلا له وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه ثم جدد الإخلاص بقولك: {إياك نعبد} وجدد العجز والاحتياج والتبرؤ من الحول والقوة بقولك: {وإياك نستعين} وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته وأن له المنة إذ وفقك لطاعته. ثم عين سؤالك ولا تطلب إلا أهم حاجتك وقل: {اهدنا الصراط المستقيم} الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك وزده شرحا وتفصيلا وتأكيدا واستشهادا بالذين أفاض عليهم نعمة الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين. ثم التمس الإجابة وقل: آمين. ولو لم يكن لك من صلاتك حظ سوى ذكر الله في جلاله وعظمته فناهيك بذلك غنيمة فكيف بما ترجوه من ثوابه وفضله. وكذلك ينبغي أن تفهم ما تقرؤه من السور فلا تغفل عن أمره ونهيه ووعده ووعيده ومواعظه وأخبار أنبيائه وذكر منته وإحسانه ولكل واحد حق: فالرجاء حق الوعد والخوف حق الوعيد والعزم حق الأمر والنهي والاتعاظ حق الموعظة والشكر حق المنة والاعتبار حق أخبار الأنبياء؛ وتكون هذه المعاني بحسب درجات الفهم ويكون الفهم بحسب وفور العلم وصفاء القلب ودرجات ذلك لا تنحصر والصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار الكلمات فهذا حق القراءة وهو حق الأذكار والتسبيحات أيضا ثم يراعي الهيبة في القراءة فيرتل ولا يسرد فإن ذلك أيسر للتأمل.

وأما دوام القيام: فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله عز وجل على نعت واحد من الحضور قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل مقبل على المصلي ما لم يلتفت» وكما تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات فكذلك تجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة فإذا التفت إلى غيره فذكره باطلاع الله عليك وبقبح التهاون بالمناجى عند غفلة المناجي ليعود إليه والزم الخشوع للقلب فإن الخلاص عن الالتفات باطنا وظاهرا ثمرة الخشوع ومهما خشع الباطن خشع الظاهر قال صلى الله عليه وسلم- وقد رأى رجلا مصليا يعبث بلحيته-: «أما هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه فإن الرعية بحكم الراعي» ولهذا ورد في الدعاء «اللهم أصلح الراعي والرعية» وهو القلب والجوارح.
وأما الركوع والسجود: فينبغي أن تجدد عندهما ذكر كبرياء الله سبحانه وترفع يديك مستجيرا بعفو الله عز وجل من عقابه ثم تستأنف له ذلا وتواضعا بركوعك وتجتهد في ترقيق قلبك وتجيد خشوعك وتستشعر ذلك وعز مولاك واتضاعك وعلو ربك وتستعين على تقرير ذلك في قلبك بلسانك فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة وأنه أعظم من كل شيء عظيم وتكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار. ثم ترتفع من ركوعك مؤكدا للرجاء في نفسك بقولك: «سمع الله لمن حمده» أي أجاب لمن شكره ثم تردف ذلك بالشكر المتقاضي للمزيد فتقول: «ربنا لك الحمد» وتكثر الحمد بقولك: «ملء السماوات وملء الأرض» ثم تهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة فتمكن أعز أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما حائلا فتسجد على الأرض فافعل فإنه أجلب للخشوع وأدل على الذل وإذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى أصله وأنك من التراب خلقت وإليه تعود فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله وقل: «سبحان ربي الأعلى» وأكده بالتكرار فإن الكرة الواحدة ضعيفة الآثار فإذا رق وظهر ذلك فلتصدق رجاءك في رحمة الله فإن رحمته تسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر والبطر فارفع رأسك مكبرا وسائلا حاجتك وقائلا: «رب اغفر وارحم» ثم أكد التواضع بالتكرار فعد إلى السجود ثانيا كذلك.
وأما التشهد: فإذا جلست له فاجلس متأدبا وصرح بأن جميع ما تدلي به من الصلوات والطيبات أي من الأخلاق الطاهرة لله وكذلك الملك لله وهو معنى التحيات وأحضر في قلبك النبي صلى الله عليه وسلم وقل: «سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك ما هو أوفى منه ثم تسلم على نفسك وعلى عباد الله الصالحين ثم تأمل أن يرد الله سبحانه عليك سلاما وافيا بعدد عباده الصالحين ثم تشهد له تعالى بالوحدانية ولمحمد نبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة مجددا عهد الله سبحانه بإعادة كلمتي الشهادة ومستأنفا للتحصن بها ثم ادع في آخر صلاتك بالدعاء المأثور مع التواضع والخشوع والضراعة والابتهال وصدق الرجاء بالإجابة وأشرك في دعائك أبويك وسائر المؤمنين واقصد عند التسليم السلام على الملائكة والحاضرين وانو ختم الصلاة به واستشعر شكر الله سبحانه على توفيقه لإتمام هذه الطاعة ثم أشعر قلبك الوجل والحياء من التقصير في الصلاة وخف أن لا تقبل صلاتك وأن تكون ممقوتا بذنب ظاهر أو باطن فترد صلاتك في وجهك وترجو مع ذلك أن يقبلها بكرمه وفضله.
هذا تفصيل صلاة الخاشعين {الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 2] {والذين هم على صلواتهم يحافظون} [المعارج: 34] و{الذين هم على صلاتهم دائمون} [المعارج: 23] والذين هم يناجون الله على قدر استطاعتهم في العبودية. فليعرض الإنسان نفسه على هذه الصلوات فبالقدر الذي يسر له منها ينبغي أن يفرح وعلى ما يفوته ينبغي أن يتحسر وفي مداواة ذلك ينبغي أن يجتهد. وأما صلاة الغافلين فهي مخطرة إلا أن يتغمده الله برحمته. نسأله تعالى أن يتغمدنا برحمته ومغفرته إذ لا وسيلة لنا إلا الاعتراف بالعجز عن القيام بطاعته.
ومفتاح مزيد الدرجات هي الصلوات قال الله عز وجل: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 1- 2] فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضا فقال: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} [المعارج: 34] ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات: {أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} [المؤمنون: 10- 11] فوصفهم بالفلاح أولا وبوراثة الفردوس آخرا. وما عندي أن هذرمة اللسان مع غفلة القلب تنتهي إلى هذا الحد ولذلك قال الله عز وجل في أضدادهم: {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين} [المدثر: 42- 43] فالمصلون هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتمتعون بقربه ودنوه من قلوبهم؛ فنسأل الله أن يجعلنا منهم.

ولابأس أن نختتم هذه الرحلة مع أسرار الصلاة بكلمة من عالم عرفاني آخر هو ابن القيم رحمه الله:  "هي رحمةُ الله المهداة إلى عباده المؤمنين، هداهم إليها، و عرَّفهم بها و أهداها إليهم على يد رسوله الصادق الأمين، رحمة بهم، و إكراما لهم، لينالوا بها شرف كرامته، و الفوز بقربه لا لحاجة منه إليهم، بل منَّة منه، و تفضَّلا عليهم، و تعبَّد بها قلوبهم و جوارحهم جميعا، و جعل حظ القلب العارف منها أكمل الحظين و أعظمهما ؛ و هو إقباله على ربِّه سبحانه، و فرحه و تلذذه بقربه، و تنعمه بحبه، و ابتهاجه بالقيام بين يديه، و انصرافه حال القيام له بالعبودية عن الالتفات إلى غير معبوده، و تكميله حقوق عبوديته ظاهرا و باطنا حتى تقع على الوجه الذي يرضاه ربه سبحانه..."