بوطليحية - للنابغة القلاوي (عرض وتحميل)

نظم المعتمد من الكتب والفتوى فى المذهب المالكي - للإمام الجليل العلامة الأديب ذي النظم الرائق والتصنيف الفائق محمد النابغة بن عبد الرحمن بن عمر القلاوي (ت1245هـ/1828م)

 

"بوطليحية" اسم طريف لمنظومة طريفة فى شكلها ومضمونها ألفها النابغة القلاوي لمعالجة الخلل الذى انتبه إليه فى محيطه وزمنه، حيث لاحظ إغفال المفتين أو نسيانهم لمقتضيات الفتوى، ومعايير ضبطها ، والخلط بين المعتمد من مصادر المذهب بغير المعتمد.

وربما جاز القول إن النابغة طرح بهذا العمل نظرية متكاملة للفتوى فى الفقه المالكي. وإذا ما استحضرنا الأزمة الحالية فى الفتوى وما تشهده من فوضى حيث يتصدى لها كل من هب ودب، فسرعان ما نتعرف على مدى معاصرة هذا التأليف، حيث لاتزال مسألة الأهلية العلمية وإشكالية التساهل فى الفتوى، مطروحة بإلحاح، على الرغم من مضي ما يناهز مائتي سنة على تأليفه.

ويُعتبر «نظم بُوطْلَيْحِيَّة»  نموذجا للمنظومات التعليمية البديعة، و ليس "النابغة" بدعا فى ذلك، حيث حرص العلماء على خدمة مذاهبهم الفقهية بشتى أشكال التدوين: المنثور منه والمنظوم، واحتل النظم التعليمي مكانة بارزة ضمن دواوين المدرسة المالكية بمختلف تفرعاتها، الفقهية منها، والأصولية، والعقدية، وغيرها...

وهو نظم يتكون من 314 بيتاً على بحر الرجز، وزاد هذا النظم قيمة سلاسةُ ألفاظه وعذوبتها، بحيث جاء متين السبك، ملائماً للقراءة والحفظ، بالرغم مما أغرقه به ناظمه استعمال للمحسنات اللفظية، كالجناس والتضمين، ويتناول النظم المعتمد من الكتب والفتوى على مذهب المالكية، ويستعرض مجموعة من المسائل الفقهية، والموضوعات الأصولية، والصوفية، والعقدية.

ويعود سبب تأليف النابغة الغلاوي للكتاب، كما أسلفنا، ما لاحظه على أهل زمانه من نسيان مقتضيات الفتوى، وعدم ضبط أحكامها، والجهل بأقوال أهل المذهب المعتمدة فيها وغير المعتمدة، وفي هذا المعنى أنشد قائلاً:

هذا ولما كان جلّ الناس *** لما به الفتوى غدا كالناسي
فخلط الصحيح بالسقيم *** وخلط المنتج بالعقيم
من جهلها أصبح في حجاب *** لم يدر بين الغرس والحجاب
جلبت في ذا النظم بعض المعتمد *** وفيه ذكر بعض ما لم يعتمد

وقد سار النابغة في نظمه وفق ترتيب منطقي، اشتمل على مقدمة وتسعة فصول وخاتمة، فجاءت المقدمة في 28 بيتاً. وضمن الفصل الأول مقدمة في تحريم التساهل في الفتوى، وهو في 16 بيتاً، ويتناول في الفصل الثاني المعتمد من الأقوال في الكتب والفتوى، وهو في 27 بيتاً، ويتناول في الفصل الثالث الكتب التي لا يعتمد على ما انفردت به، وهو في 45 بيتاً، واستعرض في الفصل الرابع الكتب والأقوال الشيطانية الليطانية، وهو في 30 بيتاً، ثم حذر في الفصل الخامس من البحث والفهم وأنهما غير نص، وهو في 28 بيتاً، ثم حدد في الفصل السادس شروط العمل فيما جرى به العمل، وهوفي 18بيتاً، أما الفصل السابع فتناول فيه الترجيح بالعرف، وهو في 17 بيتاً، وتطرق في الفصل الثامن إلى الترجيح بالمفاسد والمصالح، وهو في 10 أبيات، وقسم في الفصل التاسع طبقات المفتين إلى ثلاث طبقات، وهو في 47 بيتاً، ثم ختم النظم بفصل عاشر في أقل أوصاف المفتي في هذه الأزمنة، وهو في 47 بيتاً.

وأسهب الناظم في مناقشة بعض القضايا والمباحث التي تمس واقعه وحياته العلمية، في باب الاجتهاد والتقليد والإفتاء، مثل طبقات المفتين وأقل أوصاف المفتي الذي يتبوّأ هذه المنزلة، ومسألة طلاق الغضب، ومسألة طلاق أم العيال، واليمين على المعصية، وغيرها، كما انتقد في نظمه ما يشهده زمانه من انحراف فقهي، وتدنٍّ في مستوى الفقهاء والقضاة وما ذاك إلا لزهدهم في علوم الآلة، وجرأتهم على الفتوى والقضاء، وافتقارهم للقواعد الفقهية والأصولية، وفي هذا يقول:

ورب من يقدح في الحكم إذا *** لم يكن من متن خليل أخذا

وذاك من قصوره وجهله ***  وقلة العلم بموت أهله

فليس من قوادح الدليل ***  ألا يكون الحكم في خليل

إلى أن يقول

فرب قول فى خليل ضعُفا   ***   يحرم الافتاء به وزُيفا

وقد صرح الناظم في مقدمته، أنه ينقل أغلب مادة كتابه من كتاب نور البصر لأبي العباس الهلالي، وما كان من غيره فإنه يعزوه لصاحبه، وقد بلغ عزوه إلى نحو 20 كتاباً، منها كتاب العمليات للفاسي، وشرح مختصر خليل للتاودي، وشرح البناني، وشرح ابن عاشر، وشرح الخرشي، والمعيار للونشريسي، ونيل الابتهاج للتنبكتي، وغيرها.

والناظم لم يدّخر جهداً في ذكر أسماء الكتب والمدونات الفقهية المالكية؛ إذ بلغت عنده نحواً من 76 كتاباً، إلا أن هذا العدد لا يعدّ جرداً مستوفى ولا قريباً منه للمدونات، فقد فاته عدد كثير مما هو مشهور متداول في بلده ومعتمد عند العلماء، أبرزها الموطأ، والتفريع للجلاب، والعتبية، ومنتخب ابن أبي زمنين، وغيرها.

حظيت منظومة بوطليحية بعناية من لدن الفقهاء وكبار المفتين المالكية ببلد المؤلف؛ إذ درجوا على اعتبارها مرجعاً معتمداً، وعكفوا على حفظها وتحريرها واختصارها، ومن أهم اختصاراتهم لها اختصار الشيخ محمد المامي ولد البخاري (ت1288هـ).

كما حظيت بالاهتمام خارجه، حيث طبعت باكرا فى العواصم الاسلامية مثل فاس واسطمبول، كما كانت تدرّس فى الجامعات العريقة كجامع الزيتونة بتونس.

مقتطفات من النظم :
قال في مطلعها:

يقول بـــادئا بحمد الله >>><<< من بعد الابتداء ببــسم الله

محمد نابغة الأقــــلال >>><<< وقاهم الله من الأغـــلال
مصليا على صـراط مستقيم >>><<< ومن هدي إلى صراط مستقيم
مشتكيا ضعفي إلى المتـين >>><<< معتصما بحبله المتيــــن
نسأله بسورة الأعــراف >>><<< جريا على العادة و الأعراف
نســأله الترجيح للأقوال >>><<< بالعمل الجاري على المنوال
وآذنت براعة استهــلال >>><<< بعقد ما نثره الهِلالـــــي


وقال

جلبت في ذا النظم بعض المعتمد >>><<< و فيه ذكر بعض ما لم يعتمد
من قول أو طُـرَّةٍ أو كتابِ >>><<< لقاصد الفتوى بـلا عتابِ
وكل ما أطلقتُ عزوه انحصر >>><<< من سائر الكلام في نور البصر

و قال :

خذ طبقات الناس إذ يَفتونا >>><<< ثلاثةً لا الرَّابعَ المَفْتونــَا
مجتهِدان : مُطلقٌ مقيَّـدُ >>><<< بمذهبٍ و الأوَّل الـمؤيَّــدُ
فمثلوا المطلَقَ في المَقاسِمِ >>><<< بمالكٍ و الثاني بابن القاسـمِ
و ذان نالا غاية العلم ومـا >>><<< كان أصحَّ علمَ من تقدَّمـا
والثالث مُتقِنُ فقهَ مذهـبِ >>><<< مُسْتَبْحِرٌ لكنَّهُ في غَيهَــبِ
إذ لم يُحِطْ بجملة المقاصدْ >>><<< كسائر الأصول والقواعِــدْ
و رابع الأقسام من قد اقتصرْ >>><<< في مذهب على كتاب مختصرْ
في ضمنه مسائلُ ما شيِّدت >>><<< قد خصِّصت في غيره وقيِّدت
وفيه أقوالٌ ضعافٌُ ضُعِّفـَت >>><<< في غيره و كيِّفت و زيِّفَـت

 

و قال :
وبعضهم يُفتي و هو جاهِــلُ >>><<< إعراب 'بسم الله' عنه ذاهِــلُ

و ليْسَ من أهل اللِّسان العربِي >>><<< و في الأصول ما له مـن أرَبِ
و مثل هذا لا يكون مرشـــدا >>><<< لجهله النَّحو و ممّا أنشـــدا
عليك بالنحو فان النَّحْـــوا >>><<< لحنُ الخطاب ملكه و الفحـــوى
أما ترى الفقيه فـي التَّهَجِّــي >>><<< قد يترجى غـاية التَّرجّـــي
حتّى إذا تــلاه بالتّفهُــمِ >>><<< نَكَصَ حيرانَ علـى التَّـــوَهمِ
ومع ذاك كل قولٍ انفـــردْ >>><<< به متـى رَدَدْته عنه يُـــردْ
و كلمة ابن مـــالك كـافيه >>><<< إذ قال في بيتيـن في الكـافيه
وبعد فالنحو صلاح الألسنـة >>><<< والنفس إِن تعدم سناه في سنـة
به انكشاف حُجُبِ المعانـي >>><<< و جَلوَةُ المفهوم ذا إذعـــانِ

 

وقال:
و الحقّ أن تُفتيَ بعد أن تَرى >>><<< نفسك أهلا ويرى ذاكَ الـورى

فمالك أجـــازه سَبعونــا >>><<< محنَّكًــا للصَّحبِ يتبعونــا
و قــال ما أفتيت حتى شَهِدا >>><<< سبعون شَيْخَا أنَّني على الهدى
و الشّافعي أجازَه الإمـــامُ >>><<< بـ: 'حان أن تفتي يا غــلامُ'
و اليـوم أهل البدو و القصـورِ >>><<< يفتون جـرأة مع القصـورِ
وجاء في الردِّ عليهم بيـتُ >>><<< عن جعله في النَّظم ما أبيــتُ
لا يُقبلُ الإفتاءُ من كلِّ أحـدْ >>><<< بل لخواصِّ النَّاس في كلِّ بلـدْ

 

وختمها ب :
و هاكَ نظمًا بارعًا قد يُشتَـهى >>><<< لا ينتهي طلاوةً إذا انتـهى

فصولُهُ في كعبِ جذرِ أربعِ >>><<< محصورة فارتعِ بذاك المرتعِ
جعلتُ خيرَ المرسلينَ خاتِمه >>><<< لعلَّني أنالُ حسن الخاتمـه
محمـدا صلى عليه الله >>><<< فمَـــا لنا وسيلةً إلا هـــو
و آله وصحبه أهل الكمـالِ >>><<< عد النجوم و المياه و الرِّمـالِ
أزكى صلاة و سلام ما انتهى >>><<< و الحمـــد لله بغير منتهى

 

طبع الكتاب أول مرة فى اسطنبول بمطبعة العدل، سنة 1918. ويدل هذا التاريخ المبكر على الاهتمام الذى لقيه الكتاب.

كما طبع بالقاهرة، ثم طبعته المكتبة المكية، ثم مؤسسة الريّان - بيروت، سنة 1425هـ/2004م ، يتحقيق يحيى بن البراء.


تحميل كتاب "بوطليحية" يتحقيق يحيى بن البراء

ترجمة النابغة القلاوي