"المنتقى" لأبى الوليد الباجي

"المنتقى في شرح الموطأ" للإمام العلامة الهمام القاضي أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي الاندلسي المالكي  (ت 474 هـ)

يُعتبر كتاب المنتقى لأبي الوليد الباجي من أحسن موسوعات الفقه المالكي. فهو واحد من أهم شروح موطأ الإمام مالك وأحسنها تفريعا وأكثرها فائدة، عمّ نفعه بين الناس، وكثُر تداوله بينهم، ولقي قبولا منقطع النظير.

فلا غرابة من كون الكِتَاب أخذ أنظار المهتمين بشروح الموطأ؛ فمؤلفه ـ رحمه الله ـ كان فقيها نظّارا، محققا، راوية، محدّثا، يفهم صنعة الحديث ورجاله، ومتكلما، أصوليا، فصيحا،  أديبا، شاعرا، مفسّرا، متكلّما،  برز في علم الرّواية والدراية، وفي كتبه الفقهية امتزجت مناهج العراقيين في البحث مع طرائق الأندلسيين والقرويين المحققين، فكان ثمرة ذلك أن تلقى أهل المشرق والمغرب مصنّفاته بقبول كبير. وكتاب «المنتقى في شرح الموطأ» من هذا القبيل؛ فهو دليل على تبحّر مؤلّفه في العلوم والفنون.

والباجي هو العلامة الأصولي صاحب المناظرات مع العلامة ابن حزم الاندلسي. له العديد من الأعمال الجبارة كمثل "إحكام الفصول في أحكام الأصول"  و "الإشارة في أصول الفقه" و"كتاب الحدود" فى المصطلحات وتعريفاتها. وله أيضا كتاب "المنهاج فى ترتيب الحجاج" فى فن المناظرة، تعرض فيه أيضا للمسائل الأصولية التى ناظر فيها إمام الظاهرية ابن حزم، كما بين آداب المناظرة وقواعدها وكيفية صياغة الحجج والدفاع عن الأصول المالكية والإجابة على الاعتراضات عليها...

 

وكان الباجي قد وضع على الموطأ شرحا موسّعا كبير الحجم سمّاه «الاستيفاء»؛ بلغ فيه الغاية واستوفى، إلاّ أنه لما رأى أكثر الناس قد تعذّر عليهم جمعه، وبَعُدَ عنهم درسه، تصدّى لاختصاره وانتقى منه الكلام على معاني ما يتضمّنه الموطأ من الأحاديث والفقه، ثمّ رأى بعد ذلك أن يزيد في اختصاره، ويقرب للمبتدئين منابع أسراره، فألّف كتاب «الإيماء» مُـخْتَصِراً ما في «المنتقى» من المعاني، ومُقتصراً على إشارات تفيد الشَّادِينَ في الإحاطة بأصول أهل المدينة.

وقد وُفّق الباجي توفيقا كبيرا في تطبيق منهجه؛ فهو في المنتقى يورد حديث الموطأ ويشرحه، وكثيرا ما يورد مسائل وفروعا متعلّقة به، مع عرض أقوال الأئمة ومناقشتها أحيانا، ودعم الاتجاه المالكي بدليله، مع ذكر مختلف الروايات، وتوجيه الحُكم في الغالب، كل ذلك مع حسن ترتيب وتنظيم في العرض.

ظهرت ملكة الباجي الحديثية والفقهية واضحة متميزة في هذا الكتاب الجليل، كما برزت قدرته الفذة على الجمع بين المدرستين المالكيتين: العراقية والقيروانية، يتضح ذلك في استشهاده بنصوص وآراء القاضي إسماعيل في مبسوطه، والقاضي عبد الوهاب في التلقين، والإشراف، والمعونة، وشرح الرسالة، وابن الجلاب في التفريع، وابن القصار في عيون الأدلة، ممزوجة مع آراء أبي محمد ابن أبي زيد في النوادر، والرسالة، ومختصر المدونة، مع الاعتماد على المدونة والواضحة والعتبية، ولم يكتف الباجي باستيعاب آراء أمّهات الكتب المالكية بل قدّم لنا آراء المذاهب الأخرى شارحاً وموجِّهاً.

وقد وصف العلماء الكتاب بأنه أحسن ما أُلّف في مذهب مالك، قال القاضي عياض: «لم يؤلّف مثله»، وقال المقّري:«أحسنُ كتاب أُلّف في مذهب مالك»، وهذا ما حدا بالعلماء إلى العناية به عناية خاصة؛ إذ نجد عليّ بن عبد الله اللّمائي المالطي(تـ539هـ) ألّف كتابا جمع فيه بين «المنتقى» و«الاستذكار» لابن عبد البر، ومحمد بن سعيد بن زرقون (تـ586هـ) ألّف «اختصار المنتقى»، وكتاب «الجمع بين المنتقى والاستذكار» ولهذا الأخير نسخ خطية في المكتبات، كما ألف محمد بن عبد الحق اليَفْرَني (تـ625هـ) «المختار الجامع بين المنتقى والاستذكار» منه أجزاء في بعض الخزائن، وألّف موسى بن الرويَّة الرُّنْدي «الجمع بين المنتقى والاستذكار»، إلى غير ذلك.

قال في مقدمته : الحمد لله فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا يرسل الرياح بين يدي رحمته بشرا , ملك السموات والأرض وما بينهما وهو العزيز الحكيم , وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم لا إله إلا هو لم يشرك في ملكه أحدا ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق وبينات من الرشاد ووعد الصدق . وأنزل عليه كتابه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فبلغه للناس كافة وبينه للخاصة والعامة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة حتى كمل دين الإسلام وتقررت شرائعه ولاحت سبل الأحكام وثبتت مناهجه وأمر بتبليغه إلى من شهده وإلى من سمعه ومن لم يسمعه لتكون معالم الدين بعده لائحة وأحكامه على ما أثبتها باقية فصلى الله عليه وعلى آله وأتباعه وسلم تسليما . ( أما بعد ) وفقنا الله وإياك لما يرضيه فإنك ذكرت أن الكتاب الذي ألفت في شرح الموطأ المترجم بكتاب الاستيفاء يتعذر على أكثر الناس جمعه ويبعد عنهم درسه لا سيما لمن لم يتقدم له في هذا العلم نظر ولا تبين له فيه بعد أثر فإن نظره فيه يبلد خاطره ويحيره ولكثرة مسائله ومعانيه يمنع تحفظه وفهمه . وإنما هو لمن رسخ في العلم وتحقق بالفهم ورغبت أن أقتصر فيه على الكلام في معاني ما يتضمنه ذلك الكتاب من الأحاديث والفقه وأصل ذلك من المسائل بما يتعلق بها في أصل كتاب الموطأ ليكون شرحا له وتنبيها على ما يستخرج من المسائل منه ويشير إلى الاستدلال على تلك المسائل والمعاني التي يجمعها وينصها ما يخف ويقرب ليكون ذلك حظ من ابتدأ بالنظر في هذه الطريقة من كتاب الاستيفاء إن أراد الاقتصار عليه وعونا له إن طمحت همته إليه فأجبتك إلى ذلك وانتقيته من الكتاب المذكور على حسب ما رغبته وشرطته وأعرضت فيه عن ذكر الأسانيد واستيعاب المسائل والدلالة وما احتج به المخالف وسلكت فيه السبيل الذي سلكت في كتاب الاستيفاء من إيراد الحديث والمسألة من الأصل ثم أتبعت ذلك ما يليق به من الفرع وأثبته شيوخنا المتقدمون رضي الله عنهم من المسائل وسد من الوجوه والدلائل وبالله التوفيق وبه أستعين وعليه أتوكل وهو حسبي ونعم الوكيل . وقد قدمت في الكتاب المذكور ما لا أخلي هذا الكتاب من حرف من ذكره وذلك أن فتوى المفتي في المسائل وكلامه عليها وشرحه لها إنما هو بحسب ما يوفقه الله تعالى إليه ويعينه عليه وقد يرى الصواب في قول من الأقوال في وقت ويراه خطأ في وقت آخر ولذلك يختلف قول العالم الواحد في المسألة الواحدة فلا يعتقد الناظر في كتابي أن ما أوردته من الشرح والتأويل والقياس والتنظير طريقه القطع عندي حتى أعيب من خالفها وأذم من رأى غيره . وإنما هو مبلغ اجتهادي وما أدى إليه نظري وأما فائدة إثباتي له فتبيين منهج النظر والاستدلال والإرشاد إلى طريق الاختبار والاعتبار فمن كان من أهل هذا الشأن فله أن ينظر في ذلك ويعمل بحسب ما يؤدي إليه اجتهاده من وفاق ما قلته أو خلافه ومن لم يكن نال هذه الدرجة فليجعل ما ضمنته كتابي هذا سلما إليها وعونا عليها والله ولي التوفيق والهادي إلى سبيل الرشاد وهو حسبنا ونعم الوكيل .

توفي أبو الوليد الباجي رحمه الله سنة 474 هـ بالمريّة من بلاد الأندلس.

طبع "المنتقى" أولا في دار السعادة الطبعة الأولى 1332 هـ في 7 مجلدات , ثم في دار الكتب العلمية بيروت تحقيق محمد عبد القادر أحمد عطا / 9 مجلدات / الطبعة : الأولى ، 1420 هـ، غير أن المتوافر من طبعات يعتريها بعض القصور، ولا يزال الكتاب في حاجة إلى تحقيق علمي يرقى به إلى المستوى المطلوب.