مفهوم القواعد المقاصدية وحجيتها في التشريع

إذا نحن تأملنا نصوص كتاب الله العزيز، وسنة رسوله الكريم،  نجدها تتعاقب على تأكيد ارتباط  أحكام الشريعة الإسلامية،  الكلي منها  والجزئي  بالحِكَم  و  والمعاني،  التي تكفل  مصالح الإنسان  في عاجله وآجله،  وسعادته فى دنياه  وأخراه .
ومن خلال  تأملنا  واستقرائنا للنصوص  الشرعية،  يتضح  لنا   ذلك الاتصال الوثيق  بين  الأحكام والحِكَم،  ويتبين لنا  بجلاء  " أن الأحكام  الفقهية،  ما هي  إلا  وسائل  لتحقيق  مقاصد عليا، تجسد  مصالح حيوية  واقعية  في حال إقامتها  والامتثال  بها " ([1])

وقد انبرى جهابذة  من العلماء  إلى بيان  هذه  المقاصد المرتبطة والمبثوثة  في هذه النصوص ،  حتى أصبح  هذا الاهتمام  علما أو مبحثا مستقلا  بذاته،  وقد تضافرت  جهود أفذاذ من العلماء  لإظهار  هذا  العلم  ووضع  ضوابطه وقواعده  وحدوده.     و" من أهم ما وجه عناية العلماء العاملين ، وشحذ همم خدام الشريعة من الأئمة والمجتهدين،  هو التطلع إلى تفسير النصوص الدينية لاستدرار المعاني الشرعية منها – وهي ما يعرف بالمقاصد الشرعية – الشيء الذي استوجب بذل الجهود والطاقات ، وتسخير المعارف والمهارات  للقيام بهذه المهمة أحسن قيام …وذلك بفضل ما ضمَّنوه علم أصول الفقه من قوانين وقواعد ضابطة " ([2])

و قد كان لهذا العلم وقواعده  أثر كبير في الاجتهاد الفقهي،  وخاصة في ما يُستحدث من النوازل.

والقواعد المقاصدية  الضابطة  لهذا  العلم  تضع للمجتهد  المعالم  والصور  التي يترسَّمُها  الشارع  ويتغيَّاها  من  تشريعه،  فتكون هذه القواعد  راسخة  في ذهن المجتهد،  عميقة  في وجدانه ليكون  الحكم  الذي يتوصل  إليه  بعد عملية  الاجتهاد  متوافقا تماما مع الغايات نفسها التي  تكشف عنها  القواعد،  بل مؤكدة  وموثقة  لمضمونها.     وبذلك تكون هذه القواعد وسيلة  لضبط الاجتهاد الفقهي  وتسديد مساره حتى يكون موافقا  لكليات  الشرع  ومقاصده، ومحققا  لمصالح  العباد في الدارين .

فما هو إذا مفهوم القواعد المقاصدية وما مدى حجيتها في مقابل النصوص، او عند انعدام النصوص الشرعية لنازلة مستجدة ؟

وفي هذا المقال أتناول الإجابة عن هذا السؤال من خلال ثلاثة مطالب ( وهذه المطالب للإشارة جزء من كتابي الموسوم بالقواعد المقاصدية وأثرها في الاجتهاد الفقهي من الصفحة: 44/62)

ففي المطلب الأول منهما نبين المراد من لفظ المقاصد، على أن نفرد المطلب الثاني لبيان مفهوم القاعدة المقاصدية ، في حين نخصص المطلب الثالث لإبراز مدى حجية هذه القاعدة .

المطلب الأول : مفهوم المقاصد لغة واصطلاحا ([3]).

القاعدة المقصدية اصطلاح مركب تركيبا وصفيا من لفظين، و هما اصطلاح القاعدة، و اصطلاح المقصدية نسبة إلى المقاصد الشرعية ،  و بما أن اللفظ الأول قد سبق بيان مفهومه اللغوي، أقتصر في هذا المطلب على بيان مفهوم لفظ المقاصد ، ثم بعد ذلك أنتقل إلى جمع هذين اللفظين و بيان مفهومهما الاصطلاحي .

أولا : مفهوم المقاصد لغة :

المقاصد : جمع تكسير من مصدر مقصد، وهو مشتق من فعل قصد يقصد قصدا ، والقصد عندما يطلق يراد به في اللغة معان متعددة منها :

استقامة الطريق ، والعدل ، والاكتناز ، والتوسط ، والاعتدال …

وأما المقصد فهو مكان للقصد ، يتخيل فيه أنه ظرف للقصد ويحتمل أن يكون جمع مقصود . وأسقطت الياء المقلوبة عن الواو في جمعه على مقاصد ، لأنه جائز كما في مطالب ومكاتب ، من مطلوب ومكتوب([4])

ثانيا : المفهوم الاصطلاحي للمقاصد .

عند تتبعنا لما كتب في المقاصد الشرعية عن أئمة هذا العلم من الأصوليين و الفقهاء، لا نجد لهم تعريفا واضحا يعبر عن مفهوم المقاصد و المراد منها، رغم استعمالهم لهذا الاصطلاح في كتاباتهم، و في سياقات مختلفة.

و جل ما ذكروه عن المقاصد لا يعدوا أن يكون بيانا لوجوه المصالح التي تحققها الأحكام و تقيمها، و لا يتجاوز المعنى اللغوي للقصد، في حين نجد عند الباحثين المعاصرين الذين اشتغلوا بهذا العلم محاولات عديدة لبيان مفهوم المقاصد .

حيث عرفها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بعد تقسيمه إياها إلى مقاصد عامة وأخرى خاصة، فذكر أن المقاصد العامة هي :" المعاني  والحِكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة .

فيدخل في هذا : أوصاف الشريعة ، وغاياتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع من ملاحظتها . ويدخل في هذا أيضا معان من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها ".([5])

وقد ذكر من بين هذه المقاصد العامة : حفظ النظام ، وجلب المصالح ، ودرء المفاسد، وإقامة المساواة بين الناس، وجعل الشريعة مهابة مطاعة نافذة، وجعل الأمة قوية مرهوبة الجانب مطمئنة البال …

في حين عرف المقاصد الخاصة بقوله :" الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة، أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة ..ويدخل في ذلك كل حكمة روعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس، مثل : قصد التوثيق في عقدة الرهن، وإقامة نظام المنزل والعائلة في عقدة النكاح، ودفع الضرر المستدام في مشروعية الطلاق ". ([6])

و عرفها الأستاذ علال بن عبد الواحد الفاسي في كتابه " مقاصد الشريعة و مكارمها " بتعريف مختصر وواضح حيث قال :" المراد بمقاصد الشريعة : الغاية منها ، و الأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها ." ([7])

ومن بين من حاول إعطاء تعريف جامع لاصطلاح مقاصد الشريعة، الدكتور أحمد الريسوني حيث عرفها في كتابه "نظرية المقاصد عندالإمام الشاطبي" بقوله: " إن مقاصد الشريعة هي، الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد ."([8])

ثم أعطى لها تعريفا ثانيا أورده في كتابه "الفكر المقاصدي : قواعده و فوائده "و هو كتاب صدر بعد الأول بقوله :"مقاصد الشريعة ، هي الغايات المستهدفة و النتائج و الفوائد المرجوة، من وضع الشريعة جملة، و من وضع أحكامها تفصيلا ."([9])

المطلب الثاني ([10]):مفهوم القاعدة المقاصدية ([11]).

عند بحثنا عن تعريف جاهز للقاعدة المقاصدية لم نجد تعريفا محددا لها عند علمائنا الأوائل ، أما عند باحثينا المعاصرين فهناك محاولات أولية لبيان المراد من القاعدة المقاصدية، كما هو الحال عند الدكتور عبد الرحمان إبراهيم الكيلاني ، حيث ذكر أن القاعدة المقاصدية هي : "ما يعبر به عن معنى عام، مستفاد من أدلة الشريعة المختلفة، اتجهت إرادة الشارع إلى إقامته من خلال ما بني عليه من أحكام ."([12])

لكنا إن تأملنا هذا التعريف نجده قد أغفل بعضا من الأمور التي ينبغي أن تتوفر فيه حتى يكون تعريفا جامعا مانعا، و من بين هذه الأمور:

1ـ إنه لم يحدد لنا طبيعة هذه القاعدة هل هي أصل أم قضية أم أمر أم حكم، أو غير ذلك من التعابير التي وضعها علماؤنا في تحديد طبيعة القاعدة .

2ـ الأمر الثاني: إن التعريف لم يظهر لنا كلية أو أغلبية القاعدة المقاصدية .

وعرفها الدكتور محمد عثمان شبير بأنها :" قضية كلية تعبر عن إرادة الشارع من تشريع الأحكام ، وتستفاد عن طريق الاستقراء للأحكام الشرعية "([13])

و بناء على ما تقدم و ما تحصل لي من خلال استقرائي لمجموعة من القواعد المقاصدية عند مجموعة من أعلام هذا الفن و دراستي لها ، ومشاورة أستاذي الدكتور عبد الحميد العلمي، يمكن أن أقترح التعريف التالي لبيان مفهوم القاعدة المقاصدية، و هو أن القاعدة المقاصدية :"أصل كلي يشتمل على معنى عام، مستفاد عن طريق الاستقراء  من أدلة الشرع المختلفة، و الغايات التي وضعت الشريعة لتحقيقها ."

مناقشة التعريف :

أولا قولي أنها " أصل كلي"  فهو راجع لكون القاعدة المقاصدية تشمل جميع الأبواب والأفراد، ولا تختص بحال من الأحوال أو بزمان دون زمان، بل هي من الشمول والاتساع ما يمكنها من الانطباق على كل ذلك . أما قولي :" تشتمل على معنى عام ". فالمقصود منه ذلك المعنى الذي قصده الشارع والتفت إليه، وعرَفنا قصد الشارع إليه من خلال استقراء كثير من الجزئيات والأدلة التي نهضت بذلك المعنى العام .

ووصفت المعنى المستفاد بالعموم لإخراج المعاني الخاصة ، و هي تلك المقاصد الجزية المتعلقة بكل حكم على حدة ، لأن هذه المعاني الخاصة ليست مقصودة من القاعد المقاصدية .

ومثال هذه المعاني الخاصة : المعاني المقصودة من النكاح " إذ هو مشروع للتناسل ، والسكن والازدواج والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية من الاستمتاع بالحلال، والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء والتجمل بمال المرأة ، أو قيامها عليه وعلى أولاده من غيرها أو إخوته." ([14])

فهذه كلها مقاصد جزئية لا تتعرض لها القاعدة المقصدية لأنها لا تقرر المعاني الخاصة ، وإنما موضوعها المعاني العامة الكلية التي تتفرع عنها معان خاصة .

أما قولي :" مستفاد عن طريق الاستقراء." فهذا بيان لطريقة تَكوُّن القاعدة المقاصدية ولسبب كون ثبوتها قطعيا، فهي تثبت كنتيجة لاستقراء معان كلية، وهذا ما يكسبها نوعا من القطعية الناتجة عن هذا الاستقراء . وأما قولي :" من أدلة الشرع المختلفة و الغايات التي وضعت الشريعة لتحقيقها ."

فالمراد من ذلك أن القواعد المقاصدية تُستقى من خلال استقراء المعاني العامة من الأدلة الشرعية والأحكام التفصيلية الجزئية ، وكذلك من المقاصد العامة للشريعة الإسلامية التي توخى الشارع تحقيقها وتحصيلها من طرف المكلفين .

ومن خلال هذا التعريف و شرحنا له نستنتج ما يلي :

القاعدة المقاصدية بيان للحكمة التي توخاها الشارع من أجل تشريع الحكم " و هي تعبير عن الحكمة و الغاية "( ([15]

فمثلا قاعدة التخفيف و التيسير ، و رفع الحرج قررتها القاعدة الفقهية  " المشقة تجلب التيسير ". فالقاعدة المقاصدية من هذا المثال تقصد غاية هذا الحكم الكلي، و حكمته من أجل التخفيف و التيسير على المكلف في رفع المعاناة ، و المشقة عليه، و هي مقصد شرعي ساقه الإمام الشاطبي

في القاعدة المقاصدية التالية " أن مقصود الشارع من مشروعية الرخص الرفق بالمكلف من تحمل المشاق" ( ([16]وهذا يجعلنا نؤكد على أن القاعدة المقاصدية ، مقدمة على  القاعدة الفقهية، لأن الغايات مقدمة على الوسائل ، و القاعدة الفقهية عادة تعبر عن حكم ، و القاعدة المقاصدية تعبر عن غاية.

وإن القواعد الفقهية ذاتها تنص بصراحة على أن مراعاة المقاصد مقدمة على غاية الوسائل أبدا"([17]) وهذا هو جوهر المعنى الاصطلاحي للقاعدة عامة، و نصل إلى أن كل قاعدة فقهية أو أصولية أو مقاصدية تشترك في الآتي :

1. عموميةُ حُكمها، أي أن حكمها يعم كل الجزئيات المرتبطة ﺑﻬا بعلاقة ما.

2. أنها تشكل إطار ا تنظيميا يسمح لنا بتصنيف الجزئيات إلى فئات تجمع كل فئة منها خصائص ومميزات مشتركة.

3. أنها مجردة، مثل قاعدة كل " مسكر حرام " فكل سائل توفرت فيه خصيصة الإسكار حكمنا بحرمته دون أن نلتفت إلى مادته أو أصله.

4. واجبة التطبيق أي إلزامية، فكل جزئية عرضناها على القاعدة فوافقتها انطبق عليها حكم القاعدة ضرورة.

غير أن تلك الأنماط الثلاثة من القواعد الفقهية و الأصولية و المقاصدية التي اشتركت في جملة من الخصائص، لا ينظر إليها على  أنها متماثلة تمام التماثل، بل إنها تتوفر على خصائص يتميز ﺑﻬا بعضها عن بعض، ومن أبرز أوجه التشابه بين هذه القواعد الثلاثة ما يلي :

أوجه الشبه بين القواعد الثلاثة.

إن الدارس المدقق في القواعد الثلاثة يلاحظ أنها تلتقي في الآتي :

-1 الكلية : فهي تتصف بالكلية قياسا لما يندرج تحت ها من جزئيات وهي قابلة لأن تتفرع عنها قواعد عديدة أخرى.

-2 العمومية : فهي جميعا عامة تستوعب الكثير من الجزئيات والحوادث.

-3 التجريد : أنها جميعا تأتي في صيغة مجردة ، وذلك مما يجعلها مهيأة لاستيعاب الحالات الجزئية.

-4 الشرعية : فهي جميعا شرعية لأنها تستمد من مصادر شرعية، وإن اختلفت درجاتها.

-5 الثمرة : إن القواعد الثلاث ترمي في مجموعها إلى مقصد واحد هدفه صون حرمة الشريعة، والإبقاء عليها نافذة محترمة.

-6 الوسيلة:فالقواعد الثلاثة تشترك في الوسيلة المعتمدة في استنباطها ، إذ ترجع جميعها إلى الاجتهاد المبني على استقراء النصوص من قرآن ،وسنة ،وأثر و إجماع،أو قياس([18]).

المطلب الثالث : حجية القاعدة المقاصدية : ([19])

ذكرنا في تعريف القاعدة المقاصدية إنها أصل يدل على معنى مستفاد بطريق الاستقراء من الأدلة الشرعية .

وبما  أن الاستقراء إذا كان تاما يفيد القطع ، فإن هذه القواعد المقاصدية أصول يمكن الاحتجاج بها عند غياب النص الشرعي الصريح في النوازل والوقائع المستحدثة ،وما يؤكد هذا الأمر هو ما ذكره الإمام الشاطبي بقوله :

" كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين وكان ملائما لتصرفات الشرع ومأخوذاً معناه من أدلته فهو صحيح يبنى عليه، ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعا به ." ([20])

فالشاطبي  – رحمه الله – من خلال كلامه هذا يؤكد أن القواعد المقاصدية المستفادة معانيها من أدلة الشرع ، وموافقته لمقصود الشارع وحِكمه، هي أصول صحيحة، يمكن للمجتهد أن يبني اجتهاداته الفقهية على وفقها ، لأنها أصول مستفادة من مجموع أدلة شرعية عن طريق استقراء الجزئيات المتعددة ، وهذا ما يكسب هذه الأصول مكانة جليلة ، حتى وإن " وقع تعارض بين الكلي والجزئي ولم يمكن الجمع بينهما، فإنه يتعين تقديم الأول لأن القاعدة المقررة في موضِعِها، أنه إذا تعارض أمر كلي وأمر جزئي، فالكلي مقدم لأن الجزئي يقتضي مصلحة جزئية، والكلي يقتضي مصلحة كلية، ولا ينخرم نظام العالم بانخرام المصلحة الجزئية ." ([21])

وبما أن القاعدة المقاصدية " قد استفيدت من مجموع الأدلة الجزئية التي نهضت بمعنى تلك القاعدة، فإن كان كل دليل جزئي هو حجة بذاته يصح الاستدلال به، فمن باب أولى أن تتحقق هذه الحجية في القاعدة التي أرشدت إليها مجموع الأدلة " ([22]) وتصبح حجة يمكن الاستدلال بها لإثبات حكم شرعي لنازلة مستجدة، لأنها استمدت هذه الحجية من حجية مجموع الأدلة الجزئية التي نهضت بمعناها.

ولبيان هذا الأمر نورد الأمثلة التالية :

المثال الأول :

القاعدة المقاصدية :" من مقصود الشارع في الأعمال دوام المكلف عليها " ([23]). فهذه القاعدة هي أصل بُني من خلال استقراء مجموعة من النصوص القرآنية والحديثية، تفيد جميعها معنى واحد، وهو أن الشارع يقصد في الأعمال دوام المكلف عليها :

ومن هذه النصوص نذكر مايلي :

قوله تعالى :{ إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ   }([24])

و قوله تعالى :{ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ }([25])

وقوله صلى الله عليه وسلم:" خذوا من الأعمال ما تطيقونه ، فإن الله لا يمل حتى تملوا " ()  وغير هذه النصوص كثير تدل في مجموعها إلى قصد الشارع من الأعمال الدوام عليها من طرف المكلف واستمراره في أدائها

المثال الثاني :

القاعدة المقاصدية " النظر في المآل معتبر  شرعا " ([26]). فهذه القاعدة بدورها قاعدة كلية تعبر عن معنى عام ، قصده الشارع والتفت إليه ، وعرفنا قصد الشارع إليه من خلال تصفح كثير من الجزئيات والأدلة التي نهضت بذاك المعنى العام ، ومن بين هذه الأدلة نذكر ما يلي :

قوله تعالى :

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  }([27])

وقوله عز وجل :

{ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ([28])

وقوله سبحانه وتعالى :

{ وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ }([29])

فهذه كلها نصوص شرعية ترشد إلى إحكام النظر إلى المآل عند بيان الحكم ، مما يشير إلى اعتبار ذلك المآل  وتوجه القصد إليه .

ومن خلال ما تقدم بيانه يتضح لنا بجلاء أن القواعد المقاصدية، هي كليات أرشدت إليها مجموعة من الأدلة الجزئية ، وبما أن هذه الأدلة الجزئية هي حجة معتبرة يصح الاستدلال بها،  فمن باب أولى أن تتحقق هذه الحجية في القاعدة المقاصدية  المستفادة منها .[30]

ومما يجب الإشارة إليه في الختام أنه على علماء هذه الأمة وباحثيها في مجال العلوم الشرعية، أن يولوا هذه القواعد مزيد اهتمام وعناية، لما لها من أثر كبير في ضبط الاجتهاد، ورسم معالم طريقه الصحيحة، ولِما توفره من ثروة تقعيدية لها من القوة والحجية ما يجعلها نبراسا يهتدي به المجتهد في مواكبة العصر، وما يحدث من الوقائع والنوازل التي لم يرد فيها نص شرعي صريح .

 

الهوامش

--------------------------------------------------------------------------------


[1] القواعد المقاصدية عند الإمام الشاطبي عرضا ودراسة وتحليلا  لعبد الرحمن الكيلاني  ص 13، دار الفكر بدمشق، الطبعة الثانية 2005م

[2] منهج الدرس الدلالي عند الامام الشاطبي للدكتور عبد الحميد العلمي ص: 8 ، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية بالمغرب ، الطبعة الأولى ،1422هـ/2001م.

[3] القواعد المقاصدية وأثرها في  الاجتهاد الفقهي  الأستاذ عبد الجليل الغندوري ص : 44/62 منشورات جمعية الإمام القرافي للدراسة والبحث في  المصطلحات والقواعد الشرعية .رقم (1) سنة : 1431هـ/2010م.

[4] أشرف المقاصد في شرح المقاصد لأحمد الولاتي المكناسي ص: :1/11 ، الطبعة الأولى 1325هـ .المطبعة الخيرية بمصر .

[5] مقاصد الشريعة الاسلامية للطاهر بن عاشور :50،ط1، الشركة التونسية للتوزيع ، 1979م.

[6] مقاصد الشريعة الاسلامية للطاهر بن عاشور :154

[7] مقاصد الشريعة الإسلامية و مكارمها لعلال الفاسي ص 7،نشر مكتبة الوحدة العربية ، الدار البيضاء ، بدون تاريخ.

[8] نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي ص7لأحمد الريسوني الطبعة الثانية 1324/2003دار الأمان الرباط

[9] الفكر المقاصدي : قواعده و فوائده ص 13 منشورات الزمن.

[10] القواعد المقاصدية وأثرها في  الاجتهاد الفقهي  الأستاذ عبد الجليل الغندوري ص : 44/62 منشورات جمعية الإمام القرافي للدراسة والبحث في  المصطلحات والقواعد الشرعية .رقم (1) سنة : 1431هـ/2010م.

[11] الأصل في هذه النسبة أنْ تكون إلى المفرد، فيقال: "المقصدية"، ولكن لما صار اصطلاح "المقاصد" علماً ولقباً أصبح مصطلحاً تصلح النسبة إليه، حيث شاع في مصطلح هذا العلم أنْ يقال: "مقاصدي" كما في "الاجتهاد المقاصدي"، و"النظر المقاصدي" … إلخ. لذلك فنسبة القواعد إلى المقصدية ، أو المقاصدية كلاهما صحيح..

[12] قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي عرضا و دراسة و تحليلا لعبد الرحمان إبراهيم الكيلاني ص : 55

[13] القواعد الكلية والضوابط الفقهية في الشريعة الاسلامية ، محمد عثمان شبير :31، دار الفرقان ى، عمان ،ظ1 ،2000م

[14] الموافقات للامام الشاطبي .2/396، دار المعرفة ، 1395هـ/1975م.

[15] قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي ،للكيلاني عبد الرحمن إبراهيم ، ص 68

[16]الموافقات للشاطبي ،ج 1، ص 341

[17]قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي ،  الكيلاني عبد الرحمن إبراهيم ، ص 71 . و أنظر القرافي، الفروق 2/33

[18] التنظير المقاصدي عند الإمام الطاهر بن عاشور لمحمد حسين :236  منشورات كلية العلوم الاسلامية بجامعة الجزائر ط:1/2003/م 1424هـ

[19] القواعد المقاصدية وأثرها في  الاجتهاد الفقهي  الأستاذ عبد الجليل الغندوري ص : 44/62 منشورات جمعية الإمام القرافي للدراسة والبحث في  المصطلحات والقواعد الشرعية .رقم (1) سنة : 1431هـ/2010م.

[20] الموافقات للشلطبي :1/39

[21] منهج الدرس الدلالي عند الامام الشاطبي للدكتور عبد الحميد العلمي ص : 126

[22] قواعد المقاصد لعبد الرحمن الكيلاني :120

[23] الموافقات للشاطبي :2/305

[24] المعارج الآية :22

[25] البقرة الآية :43

[26] الموفقات للشاطبي :4/194

[27] البقرة الآية : 183

[28] البقرة الآية : 179

[29] الأنعام الآية : 108

[30] القواعد المقاصدية وأثرها في  الاجتهاد الفقهي  الأستاذ عبد الجليل الغندوري ص : 44/62 منشورات جمعية الإمام القرافي للدراسة والبحث في  المصطلحات والقواعد الشرعية .رقم (1) سنة : 1431هـ/2010م.

 

 

عن مقالة للأستاذ عبد الجليل الغندوري - بتصرف