عن الإحسان

ورد ذكر الإحسان  في القرآن في مواضع ، تارة مقرونا بالإيمان ، وتارة مقرونا بالإسلام ، وتارة مقرونا بالتقوى ، أو بالعمل .

 فالمقرون بالإيمان كقوله تعالى : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ( المائدة : 93 ) . وكقوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ( الكهف : 30 ) . والمقرون بالإسلام : كقوله تعالى : بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ( البقرة : 112 ) ، وكقوله تعالى : ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى الآية ( لقمان : 22 ) . والمقرون بالتقوى كقوله تعالى : إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ( النحل : 128 ).

 

 

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم معنى الإحسان فى حديث جبريل

 ((عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الإسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإحْسَانِ، قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيّاً، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ))

 رواه مسلم وابن ماجه.

 

وقد بين القرآن الكريم الجزاء الفريد الذى اختصه الله لأهل الإحسان:

- كقوله تعالى : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ( الرحمن : 60 )

- وقوله تعالى : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ( يونس : 26 ) ،

 

وقد ثبت في " صحيح مسلم " عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله عز وجل في الجنة ، وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان ، لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة ، كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته ، فكان جزاء ذلك النظر إلى الله عيانا في الآخرة . وعكس هذا ما أخبر الله تعالى به عن جزاء الكفار في الآخرة : إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( المطففين : 15 ) ، وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا ، وهو تراكم الران على قلوبهم ، حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا ، فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة .

 فقوله صلى الله عليه وسلم في تفسير الإحسان : أن تعبد الله كأنك تراه إلخ يشير إلى أن العبد يعبد الله على هذه الصفة ، وهي استحضار قربه وأنه بين يديه كأنه يراه ، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم ، كما جاء في رواية أبي هريرة : أن تخشى الله كأنك تراه . ويوجب أيضا النصح في العبادة ، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها . وقد وصى النبي جماعة من أصحابه بهذه الوصية ، كما روى إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن أبي ذر ، قال أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أخشى الله كأني أراه ، فإن لم أكن أراه ، فإنه يراني . وروي عن ابن عمر ، قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي ، فقال : اعبد الله ، كأنك تراه خرجه النسائي ويروى من حديث زيد بن أرقم مرفوعا وموقوفا " كن كأنك ترى الله ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك " . وخرج الطبراني من حديث أنس أن رجلا قال : يا رسول الله ، حدثني بحديث ، واجعله موجزا ، فقال : صل صلاة مودع ، فإنك إن كنت لا تراه ، فإنه يراك . وفي حديث حارثة المشهور - وقد روي من وجوه مرسلة ، وروي متصلا ، والمرسل أصح - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : كيف أصبحت يا حارثة ؟ قال : أصبحت مؤمنا حقا ، قال : انظر ما تقول ، فإن لكل قول حقيقة ، قال : يا رسول الله ، عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري ، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ، وكأني أنظر أهل الجنة في الجنة كيف يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار كيف يتعاوون فيها . قال : أبصرت فالزم ، عبد نور الله الإيمان في قلبه ويروى من حديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى رجلا فقال له : استحي من الله استحياءك من رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك . ويروى من وجه آخر مرسلا . ويروى عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم وصاه لما بعثه إلى اليمن ، فقال : استحي من الله كما تستحيي رجلا ذا هيبة من أهلك . وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن كشف العورة خاليا ، فقال : الله أحق أن يستحيا منه . ووصى أبو الدرداء رجلا ، فقال له : اعبد الله كأنك تراه .

 

قوله صلى الله عليه وسلم : فإن لم تكن تراه فإنه يراك . قيل : إنه تعليل للأول ، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله في العبادة ، واستحضار قربه من عبده ، حتى كأن العبد يراه ، فإنه قد يشق ذلك عليه ، فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله يراه ، ويطلع على سره وعلانيته وباطنه وظاهره ، ولا يخفى عليه شيء من أمره ، فإذا حقق هذا المقام ، سهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني ، وهو دوام التحديق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيته ، حتى كأنه يراه . وقيل : بل هو إشارة إلى أن من شق عليه أن يعبد الله كأنه يراه ، فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه ، فليستحي من نظره إليه ، كما قال بعض العارفين : اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك .

وقال بعضهم : خف الله على قدر قدرته عليك ، واستحي منه على قدر قربه منك . قالت بعض العارفات من السلف : من عمل لله على المشاهدة ، فهو عارف ، ومن عمل على مشاهدة الله إياه ، فهو مخلص . فأشارت إلى المقامين اللذين تقدم ذكرهما . أحدهما : مقام الإخلاص ، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه ، واطلاعه عليه وقربه منه ، فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه ، فهو مخلص لله ، لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله وإرادته بالعمل . والثاني : مقام المشاهدة ، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله بقلبه ، وهو أن يتنور القلب بالإيمان ، وتنفذ البصيرة في العرفان ، حتى يصير الغيب كالعيان . وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام ، ويتفاوت أهل هذا المقام فيه بحسب قوة نفوذ البصائر . وقد فسر طائفة من العلماء المثل الأعلى المذكور في قوله عز وجل وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ( الروم : 27 ) بهذا المعنى ، ومثله قوله تعالى : الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ( النور : 35 ) ، والمراد : مثل نوره في قلب المؤمن ، كذا قال أبي بن كعب وغيره من السلف . وقد سبق حديث " أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت "وحديث : ما تزكية المرء نفسه ؟ ، قال : " أن يعلم أن الله معه حيث كان" .

وخرج الطبراني من حديث أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاثة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله : رجل حيث توجه علم أن الله معه ، وذكر الحديث . وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة ، كقوله تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ( البقرة : 186 ) وقوله تعالى وهو معكم أين ما كنتم وقوله : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ( المجادلة : 7 ) وقوله : وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ( يونس : 61 ) وقوله : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ( ق : 16 ) . وقوله : ولا يستخفون من الله وهو معهم ( النساء : 108 ) .

وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالندب إلى استحضار هذا القرب في حال العبادات ، كقوله صلى الله عليه وسلم إن أحدكم إذا قام يصلي ، فإنما يناجي ربه ، أو ربه بينه وبين القبلة ، وقوله : إن الله قبل وجهه إذا صلى وقوله : إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت . وقوله للذين رفعوا أصواتهم بالذكر : إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنكم تدعون سميعا قريبا ، وفي رواية : وهو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ، وفي رواية : هو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد . وقوله : يقول الله عز وجل : أنا مع عبدي إذا ذكرني ، وتحركت بي شفتاه . وقوله : يقول الله عز وجل : أنا مع ظن عبدي بي ، وأنا معه حيث ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ، ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملإ ، ذكرته في ملإ خير منه ، وإن تقرب مني شبرا ، تقربت منه ذراعا ، وإن تقرب منى ذراعا ، تقربت منه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة . ومن فهم من شيء من هذه النصوص تشبيها أو حلولا أو اتحادا ، فإنما أتي ] من جهله ، وسوء فهمه عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، والله ورسوله بريئان من ذلك كله ، فسبحان من ليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير . قال بكر المزني : من مثلك يا ابن آدم : خلي بينك وبين المحراب والماء كلما شئت دخلت على الله عز وجل ، ليس بينك وبينه ترجمان . ومن وصل إلى استحضار هذا في حال ذكره الله وعبادته ، استأنس بالله ، واستوحش من خلقه ضرورة . قال ثور بن يزيد : قرأت في بعض الكتب أن عيسى عليه السلام قال : يا معشر الحواريين ، كلموا الله كثيرا ، وكلموا الناس قليلا قالوا : كيف نكلم الله كثيرا ؟ قال : ادخلوا بمناجاته ، اخلوا بدعائه . خرجه أبو نعيم . وخرج أيضا بإسناده عن رياح ، قال : كان عندنا رجل يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة ، حتى أقعد من رجليه ، فكان يصلي جالسا ألف ركعة ، فإذا صلى العصر ، احتبى فاستقبل القبلة ، ويقول : عجبت للخليقة كيف أنست بسواك ، بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك .

وقال أبو أسامة : دخلت على محمد بن النضر الحارثي ، فرأيته كأنه منقبض ، فقلت : كأنك تكره أن تؤتى ؟ قال أجل ، فقلت : أوما تستوحش ؟ فقال كيف أستوحش وهو يقول : أنا جليس من ذكرني...

 وقيل لمالك بن مغول وهو جالس في بيته وحده : ألا تستوحش ؟ فقال : ويستوحش مع الله أحد ؟ . وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول : من لم تقر عينه بك ، فلا قرت عينه ، ومن لم يأنس بك ، فلا أنس . وقال غزوان : إني أصبت راحة قلبي في مجالسة من لديه حاجتي . وقال مسلم بن يسار : ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل . وقال مسلم العابد : لولا الجماعة ، ما خرجت من بابي أبدا حتى أموت ، وقال : ما يجد المطيعون لله لذة في الدنيا أحلى من الخلوة بمناجاة سيدهم ، ولا أحسب لهم في الآخرة من عظيم الثواب أكبر في صدورهم وألذ في قلوبهم من النظر إليه ، ثم غشي عليه .

وعن إبراهيم بن أدهم ، قال : أعلى الدرجات أن تنقطع إلى ربك ، وتستأنس إليه بقلبك وعقلك وجميع جوارحك حتى لا ترجو إلا ربك ولا تخاف إلا ذنبك ، وترسخ محبته في قلبك حتى لا تؤثر عليها شيئا ، فإذا كنت كذلك لم تبال في بر كنت ، أو في بحر ، أو في سهل ، أو في جبل ، وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد ، وشوق الجائع إلى الطعام الطيب ، ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل وأحلى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم.

وقال الفضيل : طوبى لمن استوحش من الناس ، وكان الله جليسه . وقال أبو سليمان لا آنسني الله إلا به أبدا . وقال معروف لرجل : توكل على الله حتى يكون جليسك ، وأنيسك وموضع شكواك .

وقال ذو النون : من علامة المحبين لله أن لا يأنسوا بسواه ، ولا يستوحشوا معه ، ثم قال : إذا سكن القلب حب الله تعالى ، أنس بالله ، لأن الله تعالى أجل في صدور العارفين أن يحبوا سواه ...  

إلى غير ذلك من الشواهد المأثورة عن العارفين فى هذا الباب. نسأل الله أن ينفعنا بهم وأن يوفقنا إلى  بلوغ درجة الإحسان فى الإسلام والإيمان. آمين