مكانة الحديث ومصطلحه فى المحظرة الشنقيطية

يعتبر مصطلح الحديث من أهم العلوم الإسلامية وأكثرها تميزا وأخطرها شأنا وأنضجها منهجا، ولا غرو فهو الوسيلة أو الميزان الذي يُميز به بين صحيح الحديث وضعيفه، وحسنه وموضوعه. فهو إذا يستمد ذلك من مكانة الحديث النبوي، إذ أن السنة هي ثانى الأصلين، أي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم - قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} ( النحل، 44). 

 وقد ازدهرت مكانة الحديث بين العلماء الشناقطة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر حيث كثر التأليف فيه مع الدعوة إلى العمل به وترك التقليد. ومن أشهر من ألف في الحديث في القرنين المذكورين، العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي والعلامة محمد بن محمد سالم المدلشي و العلامة بابه بن الشيخ سيدي الأبيري والفقيه محمد يحي بن محمد المختار الولاتي، ممن كان  لهم الدور الكبير في نشر الدعوة إلى العمل بالكتاب والسنة.

 ومن المؤلفين أيضا فى الحديث: محمد يحيى بن سليمه الولاتي ومحمد حبيب الله بن مايابا الجكني، وغيرهم ممن أسهموا بقوة فى الدعوة إلى العمل بالكتاب والسنة...وهي الدعوة التى حمل لواءها في هذا البلد كوكبة من العلماء، يضيق المقام عن حصر أسمائهم.

ولدى الرجوع إلى التاريخ يتبين أن الحديث الشريف دخل هذه البلاد في القرن السادس الهجري تقريبا مع مجيء طلاب القاضي عياض: الحاج عثمان الأنصاري، والشريف عبد المؤمن بن صالح، ومنذ ذلك الوقت بقي يدرس في المساجد والبيوت للتبرك. وكانت دراسته في المحاظر تأتي في الدرجة الثانية[1] يتقدمه  في ذلك المتون الفروعية المؤلفة في المذهب المالكي كمختصر خليل والرسالة وشروحهما.

إلا أنه مع القرن العاشر الهجري، حسب ما يذكره المؤرخ أبوبكر البرتلي الولاتي فى كتابه "فتح الشكور"،  برز فى بلاد التكرور العلامة أحمد بن عمر بن محمد أقيت الذى كان من أكابر علماء  الحديث في هذه البلاد وله دروس في الموطإ والصحيحين والشفاء للقاضي عياض وعنه أخذ ابنه العلامة الفقيه المحدث أحمد باب التيمبكتي الذي اشتهر بالحديث وتدريسه، وكان من مشاهير العلماء في أقصى شرقي البلاد.
 كما أن معظم أسانيد الحديث في هذا القطر تمر بالعلامة أحمد باب التيمبكتي عن والده أحمد بن محمد أقيت عن محمد بركات عن الحطاب، وفي الفترة نفسها يذكر لنا أيضا مؤلف فتح الشكور أن العلامة الحاج الحسن آغبدن الزيدى  كان من كبار علماء الحديث في ولاته وله تأليف في الحديث سوف يأتي إن شاء الله في محله.
كما يذكر المؤرخون أن الإمام ناصر الدين، الذي قاد الجهاد ضد مانعي الزكاة من قبائل حسان، في الحرب المشهورة المعروفة محليا ب (شربب)، كانت له حلقة في الحديث يدرس فيها صحيح البخاري، وأنه تخلف مرة من المرات عن جولة من القتال، وراحت جيوشه تقتسم الغنائم بينما كان منشغلا بما هو أهم فى نظره ألا وهو التدريس في حلقة الحديث.

ومع القرنين الثالث عشر والرابع عشر، قطع الحديث شوطا كبيرا لانتشار المؤلفات فيه والدعوة للعمل به دراسة واستنباطا.

       وقد ساعد على ذلك الرحلات العلمية التي قام بها كثير من علماء هذا القطر إلى الحجاز والمغرب ومصر وغيرها من الأقطار الإسلامية الأخرى حيث اتصلوا هناك بعلماء تلك البلاد التي كان الحديث والفقه فيهما كفرسي رهان ثم إنهم رجعوا كذلك بأمهات كتب الحديث وشروحه التي لم تكن موجودة من قبل في بلاد شنقيط إلا نادرا"[2].

 بعد هذه المقدمة التاريخية حول دخول الحديث إلى بلاد شنقيط وتعامل العلماء معه بالتدريس نورد ثلاث نماذج من مؤلفات  الشناقطة في مصطلح الحديث وذلك حسب التسلسل الزمني.

1. العلامة الحسن بن آغبدي الزيدي الولاتي:

ترجمته: ولد سنة 1065 هـ قال عنه مؤلف فتح الشكور[3]  هو من أعلام الدين المشهورين والأئمة المذكورين درس وأفاد، كان إماما في الفقه والحديث مستحضرا لهما بصيرا بطرق الحجة انتهت إليه رئاسة الفقه، وكان مجتهدا في طلب العلم حتى بلغ الغاية القصوى منه، حصل  على خزانة نفيسة بالاستكتاب وخط يده وانتفع الناس بعلمه، وله تآليف كثيرة منها في علوم الحديث:

       نظم في مصطلح الحديث سماه "روضة الأزهار"، وله نظم مفيد في ضبط المشبه من الأسماء من رجال  الصحيحين. توفي رحمه الله سنة 1123 هـ.

ولنأخذ نموذجا من نظمه: روضة الأزهار في مصطلح الحديث يقدر بحوالي 30 بيتا قال في أوله " يقول العبد الفقير المضطر لرحمة ربه  وغفران  ذنوبه المنكسر خاطره لقلة عمله وتقواه الحسن بن آغبدي بن أحمد بن الحسن الزيدي (...).[4]

بدأتُ باسْمِ الله ذِي الْجَــلاَلِ

 

هُو الذِي يُطْلَبُ في الآمَالِ

مُصَلِيًا عَلى الرَّسًولِ المُصطْفَي

 

وآلِهِ وَصَحْبِهِ ذَوِي الوَفَا

وَبَعْدُ أَوْلَى مَا به المرءُ عُــني

 

تعلمٌ لِكلِّ ما في السُّنـنِ

من صحَةِ الأخْبارِ والمَوضُوعِ

 

من كَذِبٍ مُخْتَرعٍ مَصْنوعٍ

ثم يقول في تعريف أنواع الخبر:

والخَبرُ اعلمَنْ لهُ أَقْسَامُ

 

أَرْبَعَةْ يُجْلَى بِها الظّــُلام

فالأول المُفيدُ لليَقيــنِ

 

تَعَدَّدَتْ له بلا تعْييــــنِ

كثيرةٌ من طُرُقُ الرَّوَاةِ

 

مِنْ غَيْرِ حَصْرِ عَدَدِ الرُّوّاَة

وهْوَ الذي سُمي بالتواتُرِ

 

مَعَ كَوْنِهِ مجَانِفَ التَّهَــاتُرِ

وإن يكن عَدُّهُمُ مَحصُورَا

 

ما فوقَ الإثنين فَقُلْ مَشْهُورا

وذَاكَ قَدْ رُويَ مسْتفيضَا

 

عن بعْضِهمْ مُصاحِبا تَمْريضَا

وإن تكن محصورة في اثنين

 

فقل عزيز ذا بغيــر مين..

ثم قال في ختام النظم

قد انتهي نظما بحمــــد الله

 

ذي الطَوْلِ والمجدِ بلا تنَـاه

في عام عشْرٍ بعد ألفِ ومائة

 

من السِّنِينَ قد مَضَتْ للهجره

نظمه حسنُ الزَّيْدِيـــــا

 

فاجْعَلهُ ربي صالحًا مَهْدِيّـَا

ضَمَّنْتُهُ النُّخْبَةَ لابنِ حَجَــرِ[5]

 

سِوى الذي تفْصيلُهُ لم يُذْكَـرِ

سمَّيْتُها بِرَوْضَةِ الأَزْهَـــارِ

 

فيما اصْطُلِح عليه في الآثَارِ[6]

وله شرح لهذا النظم مازال مفقودا[7].  

* نظم في ضبط المتشابه من أسماء الرجال الموجودين في الصحيحين 

 

2. العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم

 وقد تمت الترجمة له فى مقال منفصل.  كان -رحمه الله- طموحا عظيم الهمة شديد النهم للعلم لم يكتف بما في محيطه فذهب إلي منطقة القبلة[10] من موريتانيا، ثم الحجاز ومصر والمغرب ... وانتهي به المطاف إلي العلامة المختار بن بونه، وفي الحجاز ومصر التقي بالعلماء هناك، إلا أن أهم مراحل سفره خارج البلاد كانت بالمغرب حيث أقام هناك سبع سنين لقي بها البناني[11] والتاودي[12] وغيرهما من علماء المغرب كما لقي بالحجاز ومصر كثيرا من العلماء  وطلاب العلم ليعود بعد هذه الرحلة العلمية الطويلة لبلده ويظل يدرس ويفتي ويؤلف إلى أن وافاه الأجل المحتوم سنة [13]1233هـ.

مؤلفاته: زادت على العشرين والذي يهمنا منها هو كتاب طلعة الأنوار -نظم في مصطلح الحديث، وشرحه "هدي الأبرار شرح طلعة الأنوار".  ونظم  "طلعة الأنوار" يزيد على ثلاث مائة بيت اختصر فيه ألفية العراقي التي تقاصرت الهمم عن حفظها كما يقول:

نظم فيه رجز العــراقي                   مشيد البناء والمَرَاقي

لكنه تقاصَرتْ عنه الهِمَمْ                    والعجزُ غير حاشمٍ به ألَم

 و قد لاقى هذا النظم قبولا كثيرا في الأوساط العلمية وخاصة المحظرية وطار صيته إلي المشرق وشرحه بعض العلماء هناك مثل محمد حسن المشاط الليبي الذي شرحه شرحا سماه: رفع الأستار عن محيا مخدرات طلعة الأنوار، طبع مرارا، ومن العلماء الشناقطة الذين شرحوه: أحمد محمود بن يداد الحسني ت1383هـ شرحا سماه "تحفة الصغار في تقريب معاني طلعة الأنوار"[14]  انتهي منه سنة 1340هـ.

قال في طلعة الأنوار مبينا أقسام الحديث:

والأكثرون قسموا كل السنن        إلى صحيح وضعيف وحسن

قال في مبحث الصحيح:

منه صحيح وهو ما يتصل            سنده دون شذوذ يحصل

وقال في الحسن:

وهو في الحجة كالصحيح            ودونه إن صِيرَ للتَّرْجيحِ

وفي الضعيف:

فاقد شرط للقبول نجتني        شرطا من التي مضت للحسن

وله شرح على هذا النظم سماه هدي الأبرار شرح في هذا النظم السابق.

 

3. العلامة محمد أمبارك اللمتوني:

ترجمته: ولد سنة 1189هـ وكان مجتهدا في طلب العلم والرحلة له من محظرة إلى محظرة ومن شيخ إلى شيخ وقد جمع كثيرا من الكتب.

وكان كثير القراءة مشتغلا بالتأليف والتدريس كثير العبادة مشهورا بالورع وقد صحب العلامة الشيخ سيدي الأيبيري الكبير وقد ادعي الاجتهاد لنفسه توفى رحمه الله سنة 1293هـ[16]  له نظم في المصطلح "ألقاب الحديث" يضم حوالي 51 بيتا يقول في أوله:

حمدا لمن نزل أحسن الحَديثْ                       وصلواته تسحُّ لا تَريـــثْ

إلى أن يقول:

وقد أشار بعض أعيان الورى                       بنظم ألقاب الحـــديث دررا

مقتصرا فيه على الألقــاب                            اللهَ استهدي إلى الصـــواب

والمتن ماروي قولا ونُقِــل                      والسند الرجال الناقلون والرُجُلْ

ثم الصحيح عندهم ما اتصلا                     بنقل عدل ضبطُهُ قد كَمُـــلا

إلى النهاية بلا تعليــــل                             ولا شذوذ فاعنَ بالتحصيــل

والحسنُ الذي الشروطُ استوفى                           إلا كَمالَ الضبط فيه خَـــفَا

ثم الضعيف مابه اختــلالُ                             في شرط أو أكثر واعتــلال

هذه نماذج أتينا بها لتوضح للقارئ الكريم وحالة الحديث في هذا البلد وخاصة علم مصطلح الحديث ولتفند المقولة الشائعة أن بلاد شنقيط لا أثر لها في علم الحديث، ولولا خشية الإطالة لأتيت بأكثر من هذا ولعلَّ ما أتيت به تكون فيه كفاية.

 



[1]  موسعة ابن حامد ج 2 ص41

[2]  الحديث الشريف وعلومه وعلماؤه ص 58

[3]  فتح الشكور ص87

[4]   يظهر من خلا ل هذه المقدمة تأثيره الواضح بكتاب خليل بن إسحاق المالكي في الفقه الذي أصبحت شهرته تفوق كل المؤلفات.

[5]  كتاب صغير لابن حجر الغسلاني في مصطلح الحديث مشهور.

[6]  الحديث الشريف علومه وعلماؤه ص 137 – فتح الشكور88.

[7]  المصدر السابق ص140.

[8]  المصدر السابق والصفحة.

[9]  الدر الخالد في مناقب الوالد لمحمد محمود بن سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم ص14 المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية.

[10]  هي المنطقة الوااقعة في غرب موريتانيا ودائرتها الأساسية ولاية اترارزه.

[11]  ت 1194هـ.

[12]  ت في ق 12هـ

[13]  والمزيد عن ترجمته انظر الدر الخالد ص 14 والوسيط في التراجم أدباء شنقيط ص 37-40 وفتح الشكور ص 173-174 رقم الترجمة 169

[14]  هذا الشرح حققته ضمن أطروحتي "إسهام الشناقطة في مصطلح الحديث" 2005-2006 بالمغرب.

[15]  الحديث الشريف ص 175  وفتح الشكور 174.

[16]  بلا د شنقيط المنارة والرباط ص526 – والحديث الشريف علومه وعلماؤه ص 179 – 180.

 

 

المصدر: خلاصة بتصرف، من بحث تحت عنوان "جهود علماء الشناقطة في مصطلح الحديث" - محمد بن الشريف أحمد - المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية