من المديح النبوي عند الولاتيين

يعتبر المديح النبوي إلى جانب التوجيه والإرشاد واحدا من أهم أغراض الشعر لدى الشعراء الولاتيين. ونأتى هنا بنموذجين هما محمد عبدالله بن امبوي المحجوبي الولاتي و عثمان بن محمد يحيى بن سليمة الملقب أكَّ بن سليمة اليونسى

أولا - محمد عبدالله بن امبوي المحجوبي الولاتي.
ولد في بلدة ولاته وفيها توفي.  تلقى معارفه على يد أبيه الذي أخذ عنه علوم القرآن الكريم والحديث والفقه والأصول والسيرة النبوية، إلى جانب اللغة والآداب وتاريخ العرب وأنسابهم.
يتجلى من شعره تقريظ الشعر نفسه، والفخر به معتمدًا ذلك مقدمة لموضوعه الأصلي الذي تمثل في مديح النبي (ص)،

 

أهلاً به من سيدّ

 

للشعـــــــــــــــــر فضلٌ لا يُكَتَ ويُحس ** _  يُنضَى الـمَطِيُّ له ويُطــــــــــــوى السبسبُ

كـم حـاجةٍ عـند الظبـاء مهــــــــــــمةٍ ** بـالشعـر أدركهـا الـذي يـتطلــــــــــب

كـم شـاعـرٍ خَلَقِ الـمـلابس مـرمـــــــــلٍ** فـي كل يـومٍ للـمعـيشة يـــــــــــــتعب 

تلقـاه يـطلـب تـافهًا فـــــــــــــيرده** إدراكه للنزر ممـا يـطلــــــــــــــــب

أدنـاه مـن فرش الـمـلـوك لســـــــــانُه ** فصـفـا الزمـان له وطـاب الـمكــــــــسب 

للشعـر فـي قـلـب الـبصـير مســـــــــرَّةٌ ** كـسـرور غـيثٍ بعـد محـلٍ يكــــــــــــسِب 

وأَجَلُّهُ فـي الـمَنْزِلَيْنِ فضــــــــــــــيلةً  **_ مـا كـان فـي مدح النـبـي يـهـــــــــذَّب 

خـير القـريض ولـو يكــــــــــون مهلهلاً ** مـا فـي مدائحه يصــــــــــــــاغ ويكتب

قـل فـيـه تشـريفًا وحـــــــــــــبًا إنه ** عبـدٌ حـبـيبٌ للإله مقـــــــــــــــــرب

سهل الخلـيـقة مـاجـدٌ بجـبـيــــــــــنه ** فـي الـمَحْلِ يستسقـي الغمــــــــامُ الصَّيب 

جزْلُ الندَى ندبٌ أغر مبــــــــــــــــاركٌ ** لضـيـاء غرته يـزول الغـيـهــــــــــــب 

أبـدى الإلهُ لنـا محـاسنَه ومـــــــــــا **_ أخـفـاه فـيـه مـن الـمحــــــــاسن أعْجَب 

لـولاه مـا خُلق الأنـامُ ومـا بــــــــدت  ** شمسٌ وبـدرٌ فـي السمـاء وكــــــــــــوكب

جـاءَ الأنـامَ ذوي ضلالٍ فــــــــــاهتدوا ** بـمـجـيئه وتـنظفـوا وتأدبــــــــــــوا 

أهلاً بـه مـن سـيـدٍ لـمــــــــــــا أتى ** عـلـتِ الـديـانة واستقـام الـمذهـــــــب 

يـا خـاتـم النّبَاء يـــــــــا عَلَمَ الهدى ** يـا مـن بـــــــــــــــمدحته نُسَرُّ ونَطْرَب 

هـذا مديحك صغته لـيكـون لـــــــــــــي ** سبب النجـاة غدًا فإنـي مذنـــــــــــــب 

صلى عـلـيك مسلِّمـا ربِّ الـــــــــــــوَرَى ** مـا دام ذو سفر لأمـــــــــــــــر يركب 

وعـلى بنـيك الشم والأصحـاب مــــــــــا ** طِفق امـرؤ بك للـمهـيـمـــــــــــن يرغَب 

 

مدح النبي (ص)

للشعـر غصنٌ فـي الجـوانح يـنــــــــــبتُ ** يـهتز أحـيـانًا وحـيـــــــــــــنًا يَثْبُتُ

للشعـر فـي بعض الصدور معــــــــــــادنٌ ** بـالفكر مـن تلك الـمعــــــــــادن يُنحت

الشعـر فـيـه لـذي اللـبـابة متجـــــــرٌ  ** ولـذي الشجـاعة فـيـه ســــــــــيفٌ مُصْلَت

للشعـر فضلٌ ظاهـرٌ لـم يأبــــــــــــــه **_ إلا امـرُؤٌ ذو عُجْمَة مُتعــــــــــــــــنِّت

كـم شـاعـرٍ متسـربـلٍ مـن عســـــــــــرةٍ ** مـا عـنده شـيءٌ بـه يـتقــــــــــــــوَّت 

أضحى رفـيـقـا للـمـلـوك بشعــــــــــرهٍ ** ولفقـره مـن قبـل ذلك يــــــــــــــمقت 

كـم حـاجةٍ مخبـوءةٍ فـي ريـــــــــــــطَةٍ ** بأنـامـل الأشعـار مـنهـا تــــــــــنكت

كـم حـاجةٍ بـالشعـر سُهِّلَ وعـرُهــــــــــا ** فـالـتـم شمـل نظامهـا الـمتشـــــــــتِّت

وأجله مـا كـان فـيـه مُحــــــــــــــمِّدٌ ** خـير الـبرية بـالـمكـارم يــــــــــنعت

إن النـبـي محـمدًا خـير الـــــــــــورى ** طـابت خلائقه وطـاب الـمـنــــــــــــبت

مدح النـبـي هـو الرشـاد بعـيـــــــــنه ** للـمـنشديـن له يُصــــــــــــــاخ ويُنصت

طـوبى لـمـن عـن نفحه لا يبتغــــــــــي ** مـيلاً وعـــــــــــــــن أمداحه لا يسكت

أجـد الـمدائح حِسْبَةً ومحـــــــــــــــبَّةً ** لـمحـمدٍ فبذا عـــــــــــــــــدوُّك يُكْبت

مـا إن أرى فـي الكـون إلا مــــــــادحًا ** لـمحـمدٍ مـن حـيثـمــــــــــــــا أتلفَّت

فهـو الكريــــــــــــم ابن الكرام لآدمٍ ** وأبـو الكرام إلى الـمهـيـمـــــــن مُخْبِت

لا قَدْرَ إلا دون قـدر محـــــــــــــــمّدٍ ** وبذاك حـاسده الـمعـــــــــــــاند يَنْهَت

يـا خـاتـم النُّبَئَاءِ جئتك صــــــــــائغًا ** مدحًا يردده الـمحــــــــــــــــب الصَّيِت

صلَّى وسلّم ذو الجلال عـلـيك مـــــــــــا ** سـر الـمحـب إلى الـحـبــــــــــيب تلفّت

وعـلى الصحـابة والـبنـيـــــن ذوي العُلا ** مـا دام شؤبـوب الهــــــــــــواطل يُنْبِت

 

ثانيا- عثمان بن محمد يحيى بن سليمة بن الحاج اعمر الملقب أكَّ بن سليمة اليونسي ( ت 1334 هـ)
ولد في مدينة وَلاَتة (شرقي موريتانيا)، وتوفي في مدينة تِنبَدْغَه. غلب على قصائده المديح النبوي، التوسل، والتوجيه، والإرشاد، والزهد، وكان للنزعة الإصلاحية مساحة غير قليلة فيها، وهو أحد رواد للشعر التوجيهي في مدينته.

في مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم)

ألا إننـي لا بـدَّ للـمـوت صــــــــــائرُ ** وكلُّ امـرئٍ نهجَ الـمـنـيَّة عـــــــــــابرُ

ولا بـدَّ مـن زادٍ وأفضله الـــــــــــتُّقى **  كـمـا قـال مَنْ بـالعـدل والـبِرِّ آمــــــر

وإلاّ فخـيرُ الزاد مـن بعـده الثنـــــــا **  عـلى مـن له فضلٌ عـلى الخلْق ظاهــــــــر

محـمدٌ الـمحـمـودُ حـيّاً ومــــــــــــيِّتًا **  شفـيعُ الـورى والهـولُ للنـاس غامـــــــر

جـوادٌ كريــــــــــــــــــمٌ مُوثرٌ متعطِّفٌ  **  عـلى النـاس أجنـاسَ الـمـواهـب نـاشــــر

مـواهـبُه فـي النـائبـات كأنهــــــــــا **  سـيـولُ غمـامٍ أو بحـــــــــــــورٌ زواخر

رؤوفٌ رحـيـمٌ مـرشدٌ متــــــــــــــــودِّدٌ  **  لـمـن سـامه ضـيـمٌ مـن النـاس نــــــاصر

صـفـيٌّ وفـيٌّ بـالـوعـود نــــــــــــوالُه ** عـلى سـائر الأيـام فـي النــــــاس دائر

ولا حَظَّ للـدنـيـا لـديـه فسعــــــــــيُه ** عـلى مـا بـه يرضى الـمهـيـمـنُ قـــــاصر

حـلـيـمٌ تـنـاهى الجـودُ والـمـجـد عــنده **  كريـم السجـايـا طـيِّبُ النفس طـاهـــــــر

أتى النـاس عُمْيًا لا عقـولَ لـديـهـــــــمُ ** وديـنُ الهدى مُعـمـى الـمعـالــــــم دائر

ولـم تُرَ إلا بِيعةٌ أو كـنـــــــــــــيسةٌ  ** ولا مسجـدٌ يُلفَى عـلى الأرض عـامــــــــر

فشـيَّدَ بنـيـان الـمسـاجـد داعـــــــــيًا  ** إلـيـهـا الـورى والـحقُّ للإفك قـاهـــــر

فـمَن مـنهـمُ لـبَّاهُ فــــــــــازَ ومَنْ أبى ** عـلـتْه سـيـوفٌ مُرْهفـاتٌ بـواتـــــــــــر

رأيـنـاه شمسًا فـاهتدَيْنـا بنـــــــــوره ** وهل يُنكر الشمسَ الـمـنـيرة بـــــــــاصر

بصـائرُنـا بـالـمـصطفى زال رَيْنُهــــــــا  ** وأُعـمـيَ مـن قـومٍ قَلـتْهُ الـبصــــــــائر

فكـنّا بحـــــــــــــــمد الله أوسطَ أمةٍ **  فلا أمْرُنـا نُكْرٌ ولا الـحكـم جــــــــائر

إلى سِدْرةٍ أسـرى بـه الله لـــــــــــيلةً **  وآب إلى مـثـواه واللـيل داجـــــــــــر

وأبصر فـي مســـــــــــــــراه أكبر آيةٍ ** وأُعطـيَ مـا لـم يُعطَ قطُّ مســــــــــــافر

فأصـبح مسـرورًا يحدِّثُ بـالـــــــــــــذي ** لأمته الغرّاء فـيـه بشـــــــــــــــائر

فـمـا هـو إلا هـو وَتْرٌ فـمــــــــــا لَه **  مِن الخلق شفْعٌ فـي الـمعـالـي مُفــــــاخر

عـلـيـه صلاةُ الله ثـــــــــــــم سلامه **  مع الآل مـا أمَّ الـمديـــــــــــنةَ زائر

خير الخلائق

بطـيبةَ شمسُ السعـدِ والرُّشْد  حـــــــــــلَّتِ ** فضـاءت بـهـا أرجـاؤهـا وتحـــــــــــلَّتِ

فتـاهتْ بتلك الشمس بقعتُهـا  عــــــــــلى** بقـاعِ الأراضـي كلِّهـا وتعـــــــــــــلَّت

وتـاهتْ عـلى أمِّ القـرى وحُجـونِهـــــــــا ** ومَروتِهـا الغَرّا ومسجــــــــــــــد أيْلَة

ولِمْ لا وقـد كـانـت مَهـاجـرَ أحــــــــمدٍ ** ومـوطنَ أنصـــــــــــــــــارٍ كرامٍ وجلَّة

يروح لهـا الروحُ الأمـيـــــــــن ويغْتدي ** بـديـنٍ قـويـمٍ نــــــــــــــاسخٍ كلَّ مِلَّة

رمَتْنـي يـمـيـنُ الـبـيـنِ عـنهـــا  فأقصدتْ** ولـيـت يـمـيـنَ الـبـيـن مــــــاتت فَشُلَّت

سألـت اللـيـالـي أن تَمُنَّ بقـربـهـــــــا ** فضنَّتْ ولـم تسمح بـهـا لَـمْحَ مُقـــــــــلة

عجـبتُ لجفـنٍ كـيف طــــــــــاب له الكرى ** ونفسـي بشـيءٍ كـيف عـنهـــــــــــا تسلَّت

عـلى مـثلهـا يبكـي الجلـيـــــدُ أسًى ** دمًا ويـقضـي إذا لـم يحظَ مـنهـا بـلــــــحظة

فكـم بـالـمـنى مـنِّي حـللـتُ بِطـاحَهـــــا ** وكـم بتُّ فـيـهـا سـاهـرًا طـول لـيلـتـــي

أنـاجـي الـذي قـد سـاد مَنْ كـان قبــــله ** ومـن خلفه الأرســـــــــــــالُ صُفَّتْ فصَلَّت

ومـن خـصَّه الـمـولى الكريـــــــــم بآيةٍ ** عـلى أنه خـــــــــــــــيرُ الخلائق دلَّت

فكـم شـرفٍ حُزْنَا بـه دون غـيرِنــــــــــا ** وكـم مُنعـوا نُعـمـى لنـا مـنه حـــــــلَّت

تَقـاصَرَ جـود الـمزْنِ عـن جـــــــــود كفِّه ** فكـيف يُقـاس الـبحـــــــــــــر مُدَّ بِقُلَّة

له فـي اشـتعـال الـحـرب بأسٌ وجــــــرأةٌ ** إذا طـاشـتِ احـلامُ الكُمــــــــــاة وضلَّت

سـيـوفُ العـدا قـد أُغمدت لسـيــــــــوفه ** وأعـنـاقهـم دانـت إلـيـــــــــــه وذلَّت

تـواضع لـمـا انحطَّ عـن نعـله السُّهــــــا ** تـواضعَ شكرٍ لا تــــــــــــــــواضع ذلة

ولـو رامتِ اقـلام الــــــــورى نسخَ فضله ** ومـن فـي السمـا يُمـلـي عـلـيـهـــا لَكَلَّت

ولـم يُحصِ غـيرُ الله أخلاقه الـتــــــــي ** عـنِ ادْراكِ أفهــــــــــــام الخلائق جلَّت

أقـول وقـد طـال اغتـرابــــــــــيَ دونه ** ومـا بردَتْ يـومًا حـرارة غُلَّتــــــــــــي

عـلى خـاتـم الرسل الكرام تحــــــــــيّةٌ ** أكـونُ بـهـا يــــــــــومَ الجزا تحت ظُلَّة