لا ضرر ولا ضرار - ح2

 

الولاتي : الأصل فى قاعدة " الضرر يُزال":  ما رواه مالك في الموطإ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضرر ولا ضرار". لأن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد.

 ذكرنا فى الحلقة السابقة أن حديث: ( لا ضرر ولا ضرار )، على قصره ينطوى على الكثير من الأحكام الشرعية التى تدور حول منع أوجه الضرر والمضارة بين الأفراد والجماعات، بل و سنرى أنه يندرج تحته فقه كثير يسع قواعد التيسير فى الشرع ورفع الحرج، ويبيّن السياج المحكم الذي بنته الشريعة لضمان مصالح الناس، في العاجل والآجل .

 وهو بذلك من جملة تلك القواعد العظيمة التى امتاز بها الشرع الإسلامي بسعته وشموليته واتساع معانيه.

 وعودة إلى حجية الحديث، فيمكننا الإستشهاد بما أفاد به الإمام الشاطبي في "الموافقات" - كتاب الأدلة الشرعية، حيث قال: "كل دليل شرعي؛ إما أن يكون قطعيًّا أو ظنيًّا، فإن كان قطعيًّا فلا إشكال في اعتباره(...) وإن كان ظنيًّا، فإما أن يرجع إلى أصل قطعي أو لا، فإن رجع إلى قطعي فهو معتبر أيضا، وإن لم يرجع وجب التثبت فيه(...)
ثم يقول عن الظني الراجع إلى أصل قطعي إن إعماله أيضا ظاهر، وعليه عامة أخبار الآحاد؛ فإنها بيان للكتاب لقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "لا ضرر ولا ضرار" ؛ فإنه داخل تحت أصل قطعي في هذا المعنى، فإن الضرر والضرار مبثوث منعه في الشريعة كلها، في وقائع جزئيات، وقواعد كليات؛ كقوله تعالى: {وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة: 231].
{وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6].
{لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} الآية [البقرة: 233].
ومنه النهي عن التعدي على النفوس والأموال والأعراض، وعن الغصب والظلم، وكل ما هو في المعنى إضرار أو ضرار، ويدخل تحته الجناية على النفس أو على العقل أو النسل أو المال؛ فهو معنى في غاية العموم في الشريعة لا مراء فيه ولا شك.
وهكذا فإن هذا الحديث يكون قطعي الدلالة، ولو لم يكن في اصطلاح أهل الفن متواترا لفظه قطعي السند إلا أنه بمثابة المتواتر تواترا معنويا بحيث تعاضدت عليه الروايات وموارد الشريعة حتى صار مما لا شك فيه، ولا يكفي في ذلك مجرد تواتر اللفظ إذا كان ظني الدلالة ...

أما عن معانيه الغزيرة، فقد تناولنا لفظ الحديث ،وبينا كيف أنه نفى الضرر أولا ، ثم نفى الضرار ثانيا،  ومن الفروق بين الكلمتين بالإضافة إلى ما ذكرناه فى الحلقة السابقة: أن نفي الضرر قُصد به أيضا عدم وجود الضرر فيما شرعه الله لعباده من الأحكام ، وأما نفي الضرار : فأُريد به نهي المؤمنين عن إحداث الضرر أو فعله .

ومن هنا ، فإن نفي الضرر يؤكد أن الدين الإسلامي يرسّخ معاني الرحمة والتيسير ، وعدم تكليف الإنسان ما لا يطيق ، فلا يمكن أن تجد في أحكامه أمراً بما فيه مضرّة ، أو نهياً عن شيء يحقق المصلحة الراجحة ، وإذا نظرت إلى ما جاء تحريمه في القرآن الكريم أو في السنة النبوية فلابد أن تجد فيه خبثا ومفسدة ، مصداقا لقوله تعالى : { ويحرّم عليهم الخبائث } ( الأعراف : 157 ) .

ومن ناحية أخرى فإن كل ما ورد في الكتاب والسنة من أوامر ، فالأصل أنها مقدورة ، داخلة ضمن حدود الطاقة ، وإذا عرض للإنسان أحوال تمنعه من إتمام الامتثال بالأمر الشرعي ، كأن يلمّ به مرض أو عجز أو نحوهما ، فهنا يأتي التخفيف من الله تعالى ، كما في رخصة الإفطار في نهار رمضان ، ورخصة الجمع والقصر في الصلاة ، وغير ذلك كثير.

على أن الضرر المنفي في الدين لا يتناول العقوبة والقصاص ؛ لأن عقاب المجرم على جريمته هو السبيل الوحيد الذي يردع الناس عن انتهاك حدود الله ، والاعتداء على حقوق الآخرين ، بل إننا نقول : إن هذه الحدود التي شرعها الله عزوجل هي مقتضى العدل والحكمة ؛ إذ لا يُعقَل أن نغلّب جانب مصلحة الفرد على حساب مصلحة المجتمع كله ، ولا يُعقل أن ننظر بعين العطف على الجاني ، ونتناسى حق من جنى عليهم ، ولذلك يقول الله عزوجل : { ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون } ( البقرة : 179 ) .

ولم يقتصر الحديث على نفي الضرر في الشريعة، بل أتبعه بالنهي عن إضرار العباد بعضهم لبعض،  فالمكلف منهي عن كل فعل يترتب عليه إضرار الآخرين، سواء قصد صاحبه الإضرار أم لم يقصد. وهذا أصل عظيم من أصول الدين ؛ فإن الفرد إذا التزم بصيانة حقوق غيره وعدم الإضرار بها، فإن من شأن ذلك أن تقل المنازعات بين الناس ، فينشأ المجتمع على أساس من الاحترام المتبادل بين أفراده.

أما إذا تخلى الناس عن العمل بهذا المبدأ ، وصار كل إنسان ينظر إلى مصلحته دون أي اعتبار للآخرين ، فهنا تحصل الكارثة ، وتشيع الأنانية المدمرة ، وهذا ما جاء الإسلام بإزالته والقضاء عليه.

 وتشمل هذه المعانى نطاق الأسرة ونطاق المجتمع: فيمتد من فقه الأسرة والعلاقات الزوجية إلى العلاقات الاجتماعية فى موضعها من باب الجوار، و أحكام الصلح وغيرها.

  لقد حرّم الإسلام الضرار بكل صوره ، وجميع أشكاله ، حتى حرّم الإضرار بالآخرين منذ ولادتهم إلى حين وفاتهم ، بل وبعد موتهم ، فحرّم إضرار الأم بولدها ، كما قال الله تعالى : { لا تضار والدة بولدها } ( البقرة : 233 ) ، وحرّم تغيير الوصية بعد سماعها ، وحرّم إضرار الموصي في وصيّته، وحفظ للأموات حقوقهم حتى حرّم سب الأموات أو المساس بقبورهم، فما أعظمها من شريعة، سمحة و واسعة.

 وقبل أن نختم هذا الموضوع، نحيل إلى فتوى فى بابه يُمكن الرجوع إليها من مركز الفتوى - إسلام ويب، جاءت الفتوى تحت الرقم  125496

 السؤال : مدى صحة ودلالة حديث: لا ضرر ولا ضرار؟

 الإجابــة: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فإن حديث: لا ضرر ولا ضرار. حديث مشهور عند أهل العلم وقاعدة شرعية من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم. فقد رواه مالك في الموطأ، والحاكم في المستدرك وغيرهما، وصححه غير واحد من أهل العلم. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال الذهبي في التلخيص: على شرط مسلم.

وفي بعض رواياته: لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.  وفي بعضها : لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضره الله، ومن شاق شق الله عليه. وهذه الروايات توضح مدلول الحديث ومعناه، وهو ما  أخذ منه الفقهاء قاعدة: إزالة الضرر، أو الضرر يزال.

قال الولاتي في شرح أصول المذهب-مذهب مالك-: القاعدة الثانية: إزالة الضرر، أو الضرر يزال: أي وجوب إزالة الضرر عمن نزل به، والأصل في هذه القاعدة ما رواه مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ضرر ولا ضرار. لأن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، وتندرج تحت هذه القاعدة، قاعدة: ارتكاب أخف الضررين. ومن فروعها: شرع الزواجر من الحدود ، والضمان، ورد المغصوب، أو ضمانه بالتلف، والتطليق بالإضرار، وبالإعسار.

والمعنى الذي يدل عليه الحديث نصا هو: أن الشخص ليس مطلوبا منه أن يضار نفسه، وليس مسموحا له بأن يضار غيره. والله أعلم