فقه الولاتي ومنهجه الإصلاحي

دكتورة بشرى غرساوي -عضو المجلس الأكاديمي للرابطة المحمدية للعلماء فى معالجتها عن تجليات الفكر الإصلاحي للولاتي:    "... تآليف الولاتي مرآة عاكسة لفكره الإصلاحي"

 

الجلسة العلمية الثانية كان موضوعها: "فقه الولاتي ومنهجه الإصلاحي"، ترأسها الأستاذ الدكتور محمد شرحبيلي -أستاذ بكلية الشريعة بأكادير- وافتتحت ببحث للأستاذ الدكتور إحيا الطالبي -أستاذ بكلية الآداب بأكادير- بعنوان: "العلامة الولاتي بين التنظير الأصولي والتفريع الفقهي"، وفي بدايته أبرز الأستاذ الطالبي عناية الشناقطة عامة بعلم الفروع، وكيف أسهم العلامة الولاتي في إذكاء الحركة الفقهية في عصره، وفي تشخيص وضعية الفقه والأصول فيه،  وخرج بنتيجة مفادها أن الفروع في نظر الولاتي إنما هي أمثلة وأن حقيقة الشرع أصولُه، كما أن المقتصر على الفرع عامي لا حظ له، ومن هنا انطلق الأستاذ نحو بيان معالم النزعة الأصولية والنزعة الفروعية عند الولاتي في كتاباته، أما الأولى فبيّن فيها عنايته الكبيرة بعلم أصول الفقه وبالأخص ما يرتبط منه بأصول الاستنباط والاجتهاد، كما عاد للتفصيل في قدرة الولاتي الفائقة في  تشخيص علم أصول الفقه في عصره. وأما النزعة الثانية-الفروعية- فالمحتفى به خلف عصارة فقهية متنوعة راكمها خلال حياته التي أنفقها في مجالسة الكتاب، وعَدَّد الأستاذ في هذا الصدد مجموعة من منظوماته الفقهية، وأهم شروحه، فتحصل لديه أن الولاتي يتميز في تأليفه بالتأصيل الفقهي، وتحدّث في الأخير عن منهج شيخ ولاته في الشرح فهو يسوق للمتن المشروح أولا ثم يؤصل له بذكر الأدلة من القرآن والسنة والأقوال، ويحكي الخلاف ويبين سببه وأصله، ثم يُرَجِّحُ، ويَظْهر الولاتي في كل هذا قوي الارتباط بمذهب السادة المالكية في الاستدلال والإفتاء بمشهور أقوالهم.

ثم ألقى الأستاذ الدكتور إبراهيم الوافي -أستاذ  بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير- بحثا بعنوان: "الولاتي من المحضرة إلى البحث والمناظرة"، نبّه في بدايته على أهمية التذكير بآثار العلماء والبحث في سيرهم ورصد عطاءاتهم، وانتقل بعد ذلك إلى الحديث عن البحث والمناظرة في الصحراء، فهما محور مجالس العلماء والأدباء والطلبة، الشيء الذي أسهم في عدم تسرب عدوى الأمية إلى أبناء الصحراء -كما قال الأستاذ- وقد ذكر من ميزات مناظراتهم التحري والتحقيق، ثم تحدث عن العطاءات العلمية للشناقطة المتسمة بالنادرة والوفرة والتنوع، ثم خصّص شقا مهماً للكلام على تأصيل البحث والمناظرة وضوابطهما عند الولاتي، فكشف أن هذا الأخير يقرّ بالمناظرة كعلم لكن لا كما يتبناها المتكلمون، وهو في هذا يفرّق بين النظر الإجماعي والنظر التفصيلي، فالأول مفتوح للجميع بينما الثاني طريق أهل الكلام خارجٌ عن الدين، وختم الأستاذ بحثه بعرض بعض الصفات التي تميز الولاتي في البحث والتناظر تشبه إلى حد ما تلك التي استخلصها الدكتور اليزيد الراضي في بحثه.

ثم أتت مشاركة الأستاذة الدكتورة ريحانة اليندوزي-عضو المجلس الأكاديمي للرابطة المحمدية للعلماء- لتتناول موضوع: "ضوابط إعمال العرف عند العلامة محمد يحيى الولاتي"، وكان كتاب "حسام العدل والإنصاف القاطع لكل مبتدع باتباع الأعراف" محور بحث الأستاذة، الذي بدأته بتمهيد وجيز تطرقت فيه لتعريف العرف في اللغة والاصطلاح عند الولاتي وغيره، وبيّنت ارتباطه بقاعدة »ما جرى به العمل عند المالكية «، ثم أوضحت أن الولاتي يقسم العرف إلى قسمين: عرف الشارع وعرف الناس، وكل منهما ينقسم إلى قولي وفعلي، واستعرضت ضوابط تحكيم الشرع للعرف، ومنها أن المعتبر منه له شروط، ويلزم أن يكون مطردا أو غالبا، وأن يجري العمل به،وأن يكون مقارنا للواقعة، كل ذلك من خلال كتاب الولاتي المذكور آنفا، وقد أسهبت الأستاذة في تفصيل ومناقشة القضايا التي تعرض لها بحثها معززة ذلك بذكر الأمثلة الكثيرة من مختلف الأبواب الفقهية.

أما مشاركة الأستاذة الدكتورة بشرى غرساوي -عضو المجلس الأكاديمي للرابطة المحمدية للعلماء- فكانت ببحث عنوانه: »من تجليات الفكر الإصلاحي عند العلامة محمد يحيى الولاتي« وقد عالجت الموضوع من خلال العوامل التي أسهمت في تشكيل الفكر الإصلاحي للولاتي، وأجملتها في العوامل السياسية والاجتماعية والثقافية؛ أما السياسية فتتجلى فيما عرفته بلدان العالم العربي الإسلامي في حقبة الولاتي من غزو أجنبي على أراضيها، وشنقيط حيث الولاتي تم اكتساحها من طرف المستعمر الفرنسي، وكان للأحداث التي عرفتها المنطقة أثر وتأثير على تكوينه العلمي، وتجلى ذلك في إنتاجه المعرفي، وأما العوامل الاجتماعية فقد كان للاستعمار الأوروبي أثر واضح على أوضاع الناس، كما مرت على بلاد شنقيط كوارث طبيعية، ولم يكن الولاتي غائبا عن ذلك بل شارك مشاركة قوية في تخفيف الأزمات عن بلده ووطنه وأمته، وأما الثقافية فإن توسع النشاط الطرقي وانتشار البدع تسبب في ظهور كثير من الحركات الإصلاحية في العالم العربي الإسلامي الشيء الذي أيقظ همم أصحاب الفكر السني لمقاومة الوضع، مما أدى إلى انبثاق حركة علمية شرعية مهمة، من ملامحها ظهور شروح كثيرة على صحيح البخاري منها الشرح النفيس للعلامة الولاتي، وكان آخر حديث الأستاذة في بحثها عن ملامح الفكر الإصلاحي للولاتي، وهو -كما تجسد في إنتاجه المعرفي الغزير- متسمٌ بالشمولية، فالولاتي من الدعاة إلى الاهتمام بالعلم والجد في طلبه، ومن المحرضين على التمسك بالكتاب والسنة، وقد اهتم هو نفسه بعلوم الحديث وكان حريصا على التأليف، فضلا عن عنايته باللغة العربية إدراكا منه لقيمتها وخطر شأنها، وفي جملة قالت الأستاذة: "إن تآليف الولاتي مرآة عاكسة لفكره الإصلاحي".

واختتمت أبحاث الجلسة الثانية ببحث للأستاذ محمد المنتار-رئيس تحرير موقع الرابطة المحمدية للعلماء وباحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة- بعنوان: »من قضايا مقاصد الشريعة الإسلامية عند العلامة محمد يحيى الولاتي« وقد بدأ عرضه بالحديث عن فكرة المقاصد الشرعية فرآها من المبادئ التي سيطرت على الكتابة الأصولية عند علماء وفقهاء المذهب المالكي، ومن أهم الأبنية الأصولية التي شيدوا عليها فكرهم الأصولي، بدءاً من مؤسس المذهب الإمام مالك، ومرورا بأقطاب المذهب في الشرق والغرب، ووصولا إلى متأخري المذهب الذين استوعبوا  وفهموا ما تركه الأوائل في الباب، والولاتي باعتبار اطلاعه الواسع على التراث الأصولي المالكي، فإنه من المبرزين في الاستناد إلى مقاصد الشريعة،  والمستندين إليها في فهم النصوص وتنزيلها، ويظهر هذا بجلاء في كتبه الأصولية الكثيرة، مثل »إيصال السالك« و»فتح الودود« و»نيل السول« و»مختصره على الموافقات«، وهو أيضا من العلماء الذين أسهموا في تلك المقاصد وتصويب عدد من قضاياها، والتي همت بالخصوص: أقسام المقاصد الشرعية، ومكملات المقاصد ومتمماتها، وشرط اعتبار التكملة، ومراتب المقاصد، والوصف الواحد قد يكون ضرورياً وحاجياً وتحسينياً، وحصر المقاصد وترتيبها، وحفظ المقاصد الضرورية، وفي فلك هذه النقاط عرض الأستاذ الباحث المنحى المقاصدي عند العلامة الولاتي سالكا منهج المقارنة والموازنة.

المصدر :الرابطة المحمدية للعلماء  بالرباط