فى فلسفة الصوم و أسرار ه (ح1)

ما أحوجنا فى هذه الأيام الرمضانية - ونحن لازلنا فى أجواء البداية مع العشر الأولى- ما أحوجنا لوقفة روحانية وعلمية لنتدبر الحكمة من الصيـــام لعلنا نستكشف جانبا من أسراره ..ولنستصحب فى ذلك بعض القبسات مع عالمَين عرفانيين ربانيين غاصا فى أعماق هذه العبادة وأسرارها، هما : ابن القيم الجوزية صاحب "مدارج السالكين"، وفى حلقة قادمة إن شاء الله مع حجة الاسلام الغزالي، صاحب "إحياء علوم الدين".

(1) تمهيد عن الإنسان وفلسفة الصوم
الكيان الإنساني ـ بحكم فطرته التي فطرهُ الله عليها ـ وحدة تشمل الجسد والروح، أي (المادة) و (ماوراء المادة). فهو مؤلف من صلصال من تراب، تتمثل فيه عناصر الأرض البسيطة ، من هيدروجين و أوكسجين، و كربون، حديد، كالسيوم ،نحاس  وفوسفور، لتشيع فيه حاجيات وشهوات الأرض، ورغبات النفس، ونزوات الحسِّ الغليظ...

لكن مع صلصال التراب،نفحة من روح الله، تنبعث منها سبحات العقل، وتأملات الفكر، ورفرفات الروح...

والعجيب في هذا الكيان البشري، أنَّ ذلك الشتات النافر المنتثر، قد اجتمع وترابط وتوحد، وأصبح أكبر قوة على الأرض! ذاك حين تقتبس الذّرة المجهولة، من قوة الأزل السافرة، فتشتعل وتتوهج، وتنبثق طليقة جاثمة، تمتزج فيها المادة، واللامادة، فهما سواء...وفي ذات الوقت يحتفظ، كلَّ باستقلاله  ورغباته، وينشب الصراع الساخن المستمر. فأيهما انتصر، ملك قيادة الفرد، وسرى عليه نفوذه وسلطانه...

ولكلٍ من الجسد والروح، مطالب تناسب طبيعته ودرجته في مراتب الوجود، فالجسد لا يفترق عن بقية أنواع المادة، في قبوله للزيادة والنقص والقوة والضعف، والتحلل والتركيب... ومن أجل ذلك، فهو محتاج إلى مقوّمات تقومه من نوعه، كالغذاء والكساء والسكن... ولكن الروح ـ بطبيعتها العلوية النيرة ـ لا تطلب المقومات العنصرية، وإنّما هي تواقة إلى الشرف والكمال، للإلمام بأسرار الملكوت، وحتى التواصل معها، والتطلّع على ما وراء الطبيعة...

وإذا كانت الروح تنزع إلى الكمال والارتقاء ـ والتجربة الإنسانية الصاعدة، دلت على مقدرتها على التحلق والارتقاء ـ فما الذي يصد بعض النّاس عن التطلّع إلى الكرامة الإنسانية، ويدحضهم في المجاهل والمزالق، ليتسفلوا متخبطين؟! نعم... إنّ الجسم بشهواته ونزواته، هو الذي يسجن الروح الشفافة عن التوثب والانطلاق... لأنَّ الجسم والروح ثقلان متأرجحان، ككفتي ميزان، لا تثقل هذه إلاّ وتخف الأخرى، ولا ترجح تلك إلاّ بمقدار ما تبخس هذه...

ولذلك نجد في النّاس من غلبت عليه مادته، فوهب نفسه لها، لا يفكر إلاّ في إشباع شهواته، كيفما أمكن ذلك الإشباع، فهزلت روحه، وتضاءلت منكودة حاسرة. ومنهم من محض للروح، فسمت وتعالت، بينما انهدت قواه وتكسر كيانه...

فأيُّ الطرفين قد أصاب الحقيقة، وأحرز النجاح الإنساني المنشود؟ لا جرم أنَّ كليهما قد أخطأ الواقع!... فأما من تطوّع للجسد، وجرى في أعقاب الشهوات، فقد خنق إنسانيته، ولم يزد على بهيمة وحش... وأما من انقاد للروح، فقد هضم حقوق جسمه، وعطل نظام الكون، ويكون أشبه بمن دخل حديقة غناء، ليستغلها وينعم بها، فتوّرع عنها، حتى ذبلت أزهارها، واستحالت قاعاً صفصفاً تسكنها الحشرات والديدان...

إذن فعلينا أنْ نلتمس حاجات الروح والجسد، فنعدل بينهما، ونوفيهما حقوقهما المتوازنة.

وإذا كان الجسم يحتاج إلى نظام صحي، لاستيفاء سلامته ونموه وسعادته، فكذلك الروح، تحتاج إلى نظام روحاني (الدين)، لاستيفاء نموها الطبيعي، ورشدها المأمول، والظفر بالأماني التي تشرئب إليها...

والصيام من سنن الدين، التي تعمل لتكييف الروح... وهو للروح كالرياضة السنوية للجسم، فكما أنَّ قانون الصحة، يُحتّم على كل عامل ـ يريد حفظ صحته ـ أن يريح نفسه شهراً كاملاً في السنة، فى عطلة يقلل فيها من غذاء النفس (بالتوقف عن العمل واستراحة الفكر)... كذلك نظام الصحة الروحية، يفرض على كل إنسان، أن يقلل شهراً في السنة من غذاء جسده...

ولما كانت بينة أطباء الأجسام، في ضرورة الإقلال من تغذية النفس، شهراً كل عام، هي لزوم تعويض ما فقده الجسم، من القوة، مدى الأحد عشر شهراً، نتيجة الانهماك الفكري... كذلك حجة أطباء الأرواح، في القصد من الطعام مدى شهر كل سنة، هي تعويض ما فقدته الروح الإنسانية من جراء تفرغ الإنسان، للماديات طوال العام...

وليس الهدف من هذه التحديدات، إلاّ حصول الموازنة، بين الروح والجسد. وهكذا فى مشهد التصارع بين الجسد والروح، تظهر حكمة بالغة من حكم الصيام...

هناك مظاهر أخرى للتصارع في الإنسان، فكما أن الإنسان جسد وروح يتصارعان... فهو أيضا شهوة وعقل لا يفتأ بينهما الصراع، غير أن الشهوة تتشيع للجسد، والعقل يتشيع للروح، ومجال الصراع هو الإنسان وتوجهاته واهتماماته...

فكما أنَّ الجسد يحتاج إلى الغذاء العنصري، كذلك الشهوة تبتغى الإشباع الجنسي... ولذلك كان لا بد أن تسكن الغريزة ويهدأ الجسد، ليتحرك العقل وتنشط الروح... ومن أجل هذه الحقيقة، كان الصوم أجدى وسائل تربية العقل والروح معاً... أو لا ترى كيف يمنع بصرامة، تحركات الغريزة والجسد معاً، وجُعل منهما جُنة، ويستدعى منهما كفارة سواء...

(2)  حقيقة الصيام عند ابن القيم

وهنا قد يكون من المناسب أن نربط ما ذكرناه فى تمهيدنا عن فلسفة الصوم بتأملات العالم العرفاني الجليل ابن القيم، حيث يقول :

"لما كان المقصودُ مِن الصيام حبسَ النفس عن الشهوات، وفِطامَها عن المألوفات، وتعديلَ قوتها الشهوانية، لتستعِدَّ لطلب ما فيه غايةُ سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتُها الأبدية، ويكسِر الجوعُ والظمأ مِن حِدَّتِها وسَوْرتِها، ويُذكِّرها بحال الأكبادِ الجائعةِ من المساكين، وتضيق مجارى الشيطانِ من العبد بتضييق مجارى الطعام والشراب، وتُحبس قُوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرُّها فى معاشها ومعادها، ويُسكِّنُ كُلَّ عضوٍ منها وكُلَّ قوةٍ عن جماحه، وتُلجَمُ بلجامه ..

"فهو لجامُ المتقين، وجُنَّةُ المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرَّبين، وهو لربِّ العالمين مِن بين سائر الأعمال،

"فإن الصائم لا يفعلُ شيئاً، وإنما يتركُ شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجل معبوده، فهو تركُ محبوبات النفس وتلذُّذاتها إيثارًا لمحبة الله ومرضاته، وهو سِرٌّ بين العبد وربه لا يَطَّلِعُ عليهِ سواه، والعبادُ قد يَطَّلِعُونَ منه على تركِ المفطرات الظاهرة، وأما كونُه تركَ طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أجل معبوده، فهو أمرٌ لا يَطَّلِعُ عليه بَشرٌ، وذلك حقيقةُ الصوم.

"وللصوم تأثيرٌ عجيب فى حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحِميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصومُ يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويُعيد إليها ما استلبته منها أيدى الشهوات، فهو من أكبر العونِ على التقوى كما قال تعالى: {يأَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]. [زاد المعاد (2:28,29)]

فعند ابن القيم، للصوم حقائق هي منه بمثابة اللب

أولاً: كسر النفس ..

فإن الشِّبَع والرِّي والشهوات تحمل النفس على الأشر والبَطَر والغفلة. يقول ابن القيم رحمه الله "بين العمل وبين القلب مسافة، وفى تلك المسافة "قُطاع طرق" تمنع وصول العمل إلى القلب فيكون الرجل كثير العمل وما وصل منه إلى قلبه محبة، ولا خوف، ولا رجاء، ولا زهد في الدنيا، ولا رغبة في الآخرة، ولا نور يفرق به بين أولياء الله وأعدائه، وبين الحق والباطل، ولا قوة في أمره، فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق ورأى الحق والباطل وميَّز بين أولياء الله وأعدائه وأوجب له ذلك المزيد من الأحوال. ثمَّ بين القلب وبين الربِّ مسافة، وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه من كبر وإعجاب وإدلال ورؤية العمل ونسيان المنة وعلل خفية لو استقصى فى طلبها لرأى العَجَب" [مدارج السالكين (1:439)]

فإذا صلى العبد أو قام بعمل صالح، كان بين أثر هذا العمل وبين القلب مسافة وعليها قطاع طرق .. يمنعون أثر العمل من الوصول إلى القلب ..ومن قطاع الطرق: النفس الأمارة بالسوء ..والناس على قسمين حسب ابن القيم: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعًا لها تحت أوامرها. وقسم ظفروا بنفوسهم فقهروها، فصارت طوعًا لهم منقادة لأوامرهم" [إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (2:12)].

وهذا يحدث إذا لم يصل أثر العمل الصالح إلى القلب .. يقول ابن القيم "إن لم يجد العمل منفذًا إلى القلب، وثبت عليه النفس فأخذته وصيَّرته جندًا لها، فصالت به وعلت وطغت، فتراه أزهد ما يكون وأعبد ما يكون وأشده اجتهادًا وهو أبعد ما يكون عن الله" [مدارج السالكين (3:225)]

والصيـــام يكسر تلك النفس الأمارة بالسوء، ويجعلها أكثر تقوى وانكسارًا لله تعالى ..

ثانيًا: تفرغ القلب للفكر وذكر الله..

فإذا كان الإمعان فى الشهوات يُقسِي القلب ويُعميه، ويَحول بين العبد والفكر والذكر، ويستدعي الغفلة، فإن خلو البطن من الطعام والشراب ينوِّر القلب ويوجب رقته ويزيل قسوته، ويخلِّيه للذكر والفكر.

لذلك قال رسول الله  "ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطن، بحسب ابن آدم أكيلات يقمن صلبه. فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" [رواه الترمذي (2135)]

فمدرسة الصيام تربينا على أننا قومٌ لا نعيش لنأكل، إنما نأكل لنقوم لله تعالى...

ثالثًا: أن تعرف قدر نعمة الله عليك ..

نعمة الله بأن منحه ما منعه كثيرًا من الفقراء من فضول الطعام والشراب؛ فإنه بإمساكه عن ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك، يتذكر به من مُنِعَ من ذلك طوال العام. فيوجب له ذلك شكر نعمة الله تعالى عليه، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته.

فإذا جـــاء وقت الإفطار، عليك أن تحمد الله قبل أن تأكل .. لأن غيرك محرومون من نعمة الطعام طوال الوقت. لذلك كانت من حكم الصيــام، أن يمنع عنك الطعام والشراب لبعض الوقت .. لأن الإنسان لا يُدرك قيمة النعمة إلا إذا سُلِبها...

رابعًا: الصيــام يُضيِّق مجاري الشيطان من ابن آدم ..عن أنس قال: قال رسول الله  "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم" [متفق عليه] فتَسْكُن بالصيام وساوس الشيطان، وتنكسر سورة الشهوة والغضب؛ لذلك أمر النبي  الشباب الأعزب بالصيام .. عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله  "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" [متفق عليه] .. وجاء، أي: قاطع يقطع دابر الشهوة.

تلك بعضٌ من أسرار الصيــــام، وقد علمت أن المقصود الأعظم منه هو التزود من التقوى .. {يأَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].