فى فلسفة العيد..وآفاقه

نعمَ اليوم هذا.. يوم عيد الفطر المبارك الذي ندعو الله سبحانه أن يعيده على المسلمين وهم أكثر إيماناً وإسلاماً ووعياً وحركيةً وانفتاحاً على كلِّ قضايا العصر، وعلى متغيرات الواقع ، وعلى كلّ مواضع القوة التي يملكونها ليزدادوا منها، وعلى كلِّ نقاط الضعف التي يعيشونها ليتخفّفوا منها...

معان من العيد

إن الأعياد أيام معلومة بين الناس، وهي مرتبطة عادة بما نحبه ونجله من ذكريات؛ ولذلك فإنها مناسبات تحرك العواطف لأن من طبيعتها الاتسام بالفرح والسرور إذ هي تعقُب نصراً أو فوزاً، وهي أيضاً ختام لمرحلة التوفيق في أمر من الأمور الهامة، فلا عيب إذن على الإنسان في أخذ حظه من الفرح في مواطنه وإبداء سروره في مقاماته لأن السرور هو من خير الثواب الذي يلقى الله به عباده يوم الجزاء.

والأعياد فرصة للإحسان ومعونة الناس وتعميم المسرة على الجميع لذلك كان العيدان الرئيسيان في الإسلام يومين من أيام التوسعة على الفقراء والمحتاجين ففي عيد الفطر يخرج المسلم زكاة الفطر وفي عيد الأضحى يضحي المسلم بذبيحة يأكل منها ويهدي إلى أحبابه وأصدقائه ويحسن منها إلى الذين لا يجدون سعة في هذا اليوم الكريم.

والملحوظ في العادات المذكورة على الألسنة أن العيد فرصة يجتمع إليه الناس على البهجة والفرحة ويتبادلون فيه التحية والتهاني إذ هو يوم يوحي بالعودة، فهو يعود كل عام، فتكرار العودة يوحي بتكرار المحاولة لتحقيق ما يؤمن به من أهداف ومبادئ في هذه الحياة، وسمي العيد عيداً لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد، والتهنئة فيه من مكارم الأخلاق ومحاسن المظاهر الاجتماعية، والمعايدات ومفردات التهنئة تكون بحسب العرف والعادة وهي محمودة مستحسنة ما دامت تحقق الألفة والمحبة بين الناس وتنمي فيهم الإحساس بالانتماء.

والعيد في لفظه يذكرنا أيضاً بالعائدة، وهي المعروف والإحسان تقول العرب: عاد فلان بمعروفه إذا أحسن ثم زاد، ومن صفات الله تعالى أنه “المبدئ المعيد”، أي الذي يبدأ بالفضل ثم يعيده، ولهذا وجب إذا أقبل علينا العيد أن نلقاه ونفرح به وندرك مذاقه ومعانيه، ونهيئ لغيرنا أن يشاركنا ذلك.

عيدان للمجد والعزة :

ومن جانب آخر، فإن الإسلام بنى عيدي المسلمين على معاني المجد والعزة وأن يُنظر إلى الجانب المادي في الإسلام فيعطي فيه الحق في التمتع بالملابس الجديدة والمآكل الطيبة واللهو الذي لا يخدش عرضاً ولا يمس كرامة، قضاء لحق الطبيعة البشرية في ترويض البدن والترويح عن النفس، عن أنس قال: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْـمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ “مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ”. قَالُوا كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْـجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - “إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ”، (أبو داود).

فأعيادنا أعياد فرح وزينة وشكر وعبادة تجمع بين حظي الجسم والروح والمجتمع، فإن الله الذي كتب علينا صوم شهر رمضان شرع في توديعه أمرين مفرحين، الأول زكاة الفطر ليجد الفقير كالغني فرحته بالعيد، ولذة الاحتفال به، الأمر الثاني الاحتفال بالعيد بإظهار السرور وإشاعته في البيت والمحيط، فعلى الآباء أن يدخلوا السرور والبهجة على الأبناء ويشعروهم بأن العيد يوم بشر وتنعم.



فى فلسفة العيد

 

 

إننا عندما نثير مسألة العيد فقد نتساءل ما هي فلسفته؟ وما هي آفاقه؟ فالعيد هو معنى إنساني. ونحن لا نجد أمةً من الأمم إلا ولها أعيادها الدينية والسياسية والاجتماعية، وقد أصبح لدينا تقليد جديد وهي الأعياد الشخصية كعيد ميلاد الإنسان وعيد زواجه، وما إلى ذلك...

 

وعندما نريد أن نتأمل معنى العيد، فإنه ينطلق من مناسبة حيوية مهمة، حيث يعيش الإنسان الفرح الكبير فيها ويحاول أن يمدّ هذا الفرح من خلال ما يمدّ به المناسبة في الذكرى تارةً وفي الممارسة تارة أخرى، ولقد جاءت كلمة العيد في القرآن في الحوار بين عيسى وأصحابه حول المائدة التي يمنحها الله لهم، ليعيشوا الفرح في معنى الكرامة الإلهية، ولتكون مناسبة يتذكرونها ويخلّدونها مع الأجيال التي تلتزم نهجهم، وتعيش سرّ الكرامة في حركتهم، وفي قاعدتهم، ولذلك طلبوا منه أن ينـزّل الله عليهم مائدة من السماء وقالوا: {تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا}. أن تكون عيداً يحتفل به أوّلنا الذين عاشوا الكرامة، ويحتفل به آخرنا الذين يعيشون من بركة هذه الكرامة.

 

السرّ فى عيد الفطر :

 

في الإسلام كما رأينا عيدان في المعنى المصطلح للعيد : "عيد الفطر" و"عيد الأضحى". فلنقف مع عيد الفطر ونستوحي سرّ العيد فيه. ولعل أفضل كلمة قيلت في معنى العيد، في امتداد العيد بالزمن من حيث حركة هذا السرّ في الإنسان هي كلمة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: "إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه وقيامه". فلقد جاء في نهاية حركة مسؤولية عاشت في موسم معين محمّل بمختلف ألوان الروح، فيما يمكن أن يرتفع بالإنسان في عملية روحية إنسانية داخلية وخارجية، فشهر رمضان هو شهر الله الذي يفتح الله فيه باب رحمته ومغفرته ولطفه وعفوه وغفرانه للصائمين، وللقائمين، وللمجاهدين، وللعاملين في مواقع رضاه؛ فهو شهر التوبة والمغفرة والرحمة.

ولذلك فقد حشد الله في هذا الشهر ما وزّعه على بقية الشهور، فهو "حمّام روحيٌ" يدخله الإنسان ليغسل عقله، فلا يبقى في عقله إلا الحق، وليغسل قلبه فلا يبقى منه إلا الخير والمحبّة، ويغسل فيه حياته فلا يبقى في حياته إلا ما يرضي الله في مواضع طاعته، وليغسل فيه أهدافه فلا تكون أهدافه إلا الأهداف التي تنفتح على الغايات التي وضعها الله للإنسان ليستهدفها في حياته، وهكذا جعل الصيام وسيلة من وسائل تقوية الشخصية الإسلامية الإنسانية وتقوية الإرادة المنفتحة على وعي المسؤولية.

رمضان تدريب نحو "الصـوم الكبيـر":

فالصوم ليس مجرد وسيلة تدريبية لإرادة عمياء، ولكنه وسيلة تدريبية لإرادة مفتوحة العينين في خط الله، وهكذا كان هذا الصوم الصغير مقدمة للصوم الكبير، فقد أرادنا الله أن نصوم عن كلّ المحرمات، وأرادنا الله أن نصوم عن كلّ مواقع الذل في حركة الحياة، وأرادنا أن نصوم عن كل حقدٍ وعداوةٍ وضغينةٍ وشرٍّ في مشاعرنا وعواطفنا وأحاسيسنا، وهكذا كانت مسؤوليتنا في الصوم مسؤولية تشمل كلّ مواقعنا الإنسانية الداخلية والخارجية وهي أن تكون لك إرادة البحث عن الحقيقة دون تعصب، وإرادة كلّ الذين يتحركون في خطّ الحق دون خوف، وإرادة المواجهة لكلّ الذين يقفون في وجه الرسالات دون ضعف، ولذلك كان شهر رمضان شهر الإسلام في مواقع القوة.

النجاح في المسؤولية:

ليقول لك ـ أي شهر رمضان ـ أيها الإنسان إذا نجحت في مسؤوليتك، فإن هذه المسؤولية الرمضانية لا بدّ أن تتحرك لتكوّن مسؤولية العام كلّه والعمر كلّه، أيها الإنسان إذا التقيت بالله في شهر رمضان في مواقع القرب إليه فحاول أن لا يبعدك الشيطان عنه، وإذا اقتربت إلى الإنسان في مواضع التعاون على البرّ والتقوى فلا تسمح للشيطان أن يدفعك بعيداً لتتعاون على الإثم والعدوان، وهكذا نجد أنه شهر المسؤولية وشهر القرب إلى الله وشهر الرجوع إلى الله، ولذلك إذا كنت الإنسان الجاد في صيامك وقيامك، فإنها السعادة كل السعادة عندما يقبلك الله، وإذا قبلك الله وأحسست بقبول الله لك من خلال عقلك المنفتح عليه، وقلبك الخاشع بين يديه، وحياتك المتحركة في دربه، فهو العيد كلّ العيد "إنما هو عيدٌ لمن قبل الله صيامه وقيامه"، وإذا أردت أن لا تجعل العيد يوماً في الزمن فبإمكانك أن تعطي الزمن في كلّ أيامه وفي كل لحظاته معنى العيد، فإذا كنت تحتفل في يوم الفطر بأنّك أطعت الله، فاليوم الثاني الذي تعيش فيه الطاعة وتبتعد فيه عن المعصية هو يوم يمكن أن تحتفل به كعيد.

العيد في مدى الزمن:

 

وبذلك يرتفع معنى العيدين في وجداننا وحياتنا ليكون العيد طاعة الله ولتكون مناسبة العيد مناسبة طاعة، وعند ذلك تكون كلّ أيامنا أعياداً عندما نطيع الله في صلاتنا وعندما نطيع الله في علاقاتنا، وعندما نطيع الله في كل معاملاتنا، وعندما نطيع الله في سياستنا واقتصادنا وأمننا وجهادنا في سبيل الله، عند ذلك يمكن أن نعيش العيد في امتداد الزمن. وهكذا لا يبقى العيد يوماً في السنة ولكنه يمتد ليكون سنةً في العمر وعمراً في الوجود كله...