من أعلام موريتانيا الشيخ الفقيه محمد يحي الولاتي الرافض للاستعمار/ عبد الرحمان بلحاج علي

للشعوب أيامها وتراثها وللشعب الموريتاني الشقيق أيامه الغراء وتراثه المتعدد الملامح والثراء.

وللشعوب رجالاتها وأعلامها وللشعب الموريتاني الشقيق رجالاته الذين تكتظ بهم كتب التاريخ وأعلامه الذين طوقت شهرتهم الآفاق.

ولسنا هنا في مجال تعداد تلكم الأيام أو ذلك التراث أو هؤلاء الرجال أو أولئك الأعلام فذلك يتطلب منا فضاءا أرحب من الذي

نحن بصدده إذ بعد أيام قليلة سيحتفل الشعب الموريتاني الشقيق بالذكرى التاسعة والأربعين لاستقلاله والشروع في بناء دولته الحديثة المعاصرة في تاريخه الطويل الحافل بالأحداث.

 

ولعل من أجمل ما يهدى في هذه المناسبة التذكير بالمواقف الوطنية لمشاهير البلاد دفاعا عن أهلهم وأراضيهم كل حسب ما أوتيت يداه من علم أو مال أو جاه أو سلاح، ومن هؤلاء المشاهير، الشيخ الفقيه محمد يحي الولاتي الذي أرجو أن يعذرني القارئ العزيز لاقتصاري على التعرض لبعض مواقفه الوطنية وبعض الفصول من سيرته.

ومن ذلك سفر شيخنا الفقيه مع وفد من قومه في مهمة لدى أمير السودان بعد أن تعرضت مدينة ولاته في العقد الأول من القرن الرابع عشر الهجري لجفاف كان ضاعف من قسوته على السكان تزامنه مع خلاف سياسي بين قبيلة "كنته" وإمارة "فوته" تولت على إثره هذه الأخيرة منع الميرة عن أهل ولاته.

ولما دخل الفقيه الولاتي مع قومه على الأمير الفوتي أحمد بن الحاج عمار تال للتفاوض معه سألهم عن هويتهم وما إن تعرف عليهم حتى صرخ قائلا:"من؟ أعداؤنا وأنصار أعدائنا!" فبادره الولاتي إلى الرد بحكمة وخاطبه قائلا:"أسلطانك أعز من سلطان الله الذي يقول: "ولا تزر وازرة وزر أخرى"؟ فماذا تقول لربك في منعك الميرة ونحن على ما تعلم؟". فانبهر الأمير لهذه الشجاعة وهذه الحجة وهذا المنطق وانتهت المفاوضات لصالح الولاتيين وحينها أنشأ الولاتي في مدحه قصيدة مطلعها:

أيا أحمد الأندى ويا فارج الأزل = = يا هازم الأعدا ويا طيب الأصل

وإثر ذلك طلب الأمير من محمد يحي الولاتي البقاء معه زمنا ينتفع هو وقومه بعلمه.

كما كان الولاتي يتابع تنامي تواجد "النصارى" حول بلاد شنقيط وتضييقهم الخناق عليها إذ سيطر الفرنسيون على أجزاء كبيرة من الأراضي السنغالية والمالية بعد أن رسخوا وجودهم في التراب الجزائري والمغرب الأقصى وكان الأسبان يتوغلون في الصحراء شمالا ويسيطرون على شواطئها وقد بلغ إلى علم الشيخ الفقيه محمد يحي الولاتي والحالة تلك أن بين أحد أعلام منطقته المقيم في بلاد السودان مراسلات وهدايا متبادلة ومجاملات ووعود مع ضابط فرنسي حاكم دائرة باماكو عاصمة مالي حاليا فوجه إليه رسالة تحذيرية تعبيرا عن قلقه من تنامي نفوذ "النصارى" والخوف عليه من استدراجه وإقناعه بعدم التعامل معهم و الركون إليهم مما يفُتّ في عضد الأمة وينشر الوهن في صفوفها مذكرا إياه بأصول الشريعة و بديانته المحمدية وبهمته السامية.

وفي ما يلي نص الرسالة(1) التي بعثها الولاتي للشيخ المذكور وهو العلامة جعفر بن المهدي النعماوي(2): "(.........)(3) والصلاة والسلام على رسول الله

سلام زكي عائد وتحيـة = = إلى البحر علما والغزير تكرمـا

يشاب بنصح ناشئا عن مودة = = وغيرة إسلام إلى الجانب الأسمــى

جنابكم السامي المطهر أن يــرى == خليلا عليه الكفر يضرب مغرمـا

وقد بان أن الأرض قد صار ملكها = = لقوم يرون النقض للحق مغنمـا

وقد حل بالدين الحنيف الذي تـرى = = وليس فقيه النفس كالجاهل الأعمى

يسومونه خسفا وذلا ومحـنة = = وليس عَلِيُّّ النفس كالقاصر المرمى

وأنتم حماة الدين تأبون ذلـه لكم = = همة تسمو ومنقبة عظمى

فليس إيمائي ما حسبت وخلـته = = بل القصد مني أن تجد وتعزما وتعلم أن الأرض مغبرة كما = = ترى وسواد الكفر عم وأظلما

فلا غل يرجى محوه بيـننا ولا أذى يُتَّقى كلا ولا كلم يدمى

ولا بغض، لا إضرار لكن أخــوة = = حنيفية تدعو إلى النصح والرحمى

من كاتبه محمد يحي بن محمد المختار إلى أخيه في الله السيد الولي الشريف مولانا المهدي، وقد بلغنا أن النصارى يضربون المكس على من استولوا عليه ويطلبونه رغما عن أنفه. وقد استولوا على هذه البلاد وأنتم حماكم الله من ذلك تأبى نفوسكم الزكية المهذبة ونسبتكم النبوية ونخوتكم الهاشمية وغيرتكم الإسلامية أن يكون للكفر عليكم سبيل.

والسلام يعود عليكم ورحمة الله وبركاته مادام الفلك وحركاته."

ويقول الكاتب سيدي محمد ولد مولاي أحمد ولد جعفر(4) إن مخاوف الولاتي كانت في محلها إذ عثرنا على رسالة من حاكم دائرة باماكو إلى هذا الشيخ أي جعفر ابن المهدي بها دليل قاطع على مراسلات وهدايا بينه وبين الفرنسيين تحمل وعودا لا شك سارة له. وتتمثل تلك الوعود حسب الوثيقة في أن الفرنسيين سيقومون بتأمين الطرق التجارية وهو المهاجر من مسقط رأسه النعمة لأسباب تجارية كما يذكر بول مارتي، وجاء في رسالة حاكم باماكو: "الحمد لله وحده لا يدوم إلا ملكه وصلى الله على النبيين من بعده، أما بعد سلام وتحية وإكرام من كماند حاكم دائرة باماكو إلى جعفر المهدي فموجبه إليك إعلامك أن كتابك الكريم قد وصل إلي مع التمر الذي أرسلت لي، وقد أحسنت به جزاك الله خيرا. وأيضا حمدتك في أمر الكتاب الذي قد وجدت (يوجد بعدها سطران ونصف غير مقروءين) فأعلم الأهل (ربما تكون أعلم أهل) بلدك بأن قصدنا في هذه البلاد هو فتوح جميع الطرق وإصلاحهم للصرف والتجارة. وما شاء الله نحن قائمون لإصلاح تلك والسلام عليك ورحمة الله."

هذا بالإضافة إلى ما نقله بول مارتي عن الرحالة الألماني أسكار لانز الذي التقى في مدينة سكولوا المالية بجعفر بن المهدي، ودفع هذا الأخير عنه ضريبة كبيرة لحاكم المدينة وقد تحدث عنه بأن لانز مدح الشيخ جعفرا المهدي على المساعي الحميدة التي قام بها ووصفه بأنه "كان محمود السيرة واسع الصدر ...وكان مشهورا في البلد وكبيرا فيه ولم يكن يخشى من قول الحق وكانت له شخصية بارزة جريء لا يطأطئ ولا ينحني أمام حكام البنبارة." ومع كل هذا المديح لم يستقبل جعفر لانز في منزله بل استقبله في دار أحد عبيده.

فلا غرابة إذا أن نجد رسالة الولاتي إلى الشيخ جعفر المهدي مشحونة بالقلق والمرارة والخوف على الإسلام ما دام التغلغل الفرنسي وصل حد تبادل الهدايا مع الشخصيات المتنفذة والمسموع إليها من طبقة العلماء. وكأن الشيخ الفقيه الولاتي يقود المقاومة والنضال بالقلم ضد المستعمر كما قادها الكثير من معاصريه بالمدفع و"التعمار".

وتقول بعض الروايات أن الفقيه الولاتي أخذ عهدا على أمير مشظوف آنذاك أعل ولد المحيميد بالتصدي للفرنسيين و أن لا يدخلوا منطقته إلا إذا أحيط به من جميع الجهات، ويتضح ذلك من خلال ردة فعله حين تناهى إليه بعد عودته من الحج نبأ نجاح السيطرة الفرنسية حيث قال (مر،مر...أعلي) وهي عبارة توبيخ شديدة للأمير(5).

وتتداول بين القوم رواية أخرى تقول أنه في مرض موت الفقيه أتاه أكيك الذي آلت إليه السلطة في مدينة ولاتة آنذاك بطبيب فرنسي ليفحصه، فبادره وهو على فراش المرض: "أف...أف...هؤلاء دخلوا الأرض...." وطلب من أهله أن لا يفتحوا الباب لأكيك والطبيب الذي تعهد بالرجوع إليه في اليوم الموالي لعيادته.

ويذهب الأستاذ حسني ولد الفقيه إلى أن علاقة الولاتي لم تنقطع خلال رحلته الحجازية بل كان متطلعا إلى معرفة أخبار وطنه مهموما بوجه خاص بمعرفة محاولات الفرنسيين الاستعمارية إزاء منطقته ومن دلائل ذلك رسالة وجهها من أدرار الى أباتي ولد محمد عبد الله يطلب في بدايتها منه أن يبيع له مستودعات من القماش والعين تركها عنده ليستعين بها فيما يبدو على تكاليف الحج ويدعوه في نهايتها إلى أن يرسل له ما طرأ في الأرض من خبر النصارى ومشظوف وغيرهم، وهذا يدل على أن الولاتي كان متابعا لمحاولات الفرنسيين غزو وطنه وكان يعول على قبيلة مشظوف للتصدي لهم.

ويمكن أن نتلمس وطنية الشيخ أيضا من خلال كلمة النصارى في مؤلفاته ويقصد الأوروبيين على مختلف جنسياتهم وبلدانهم ولغاتهم وينعت بعض مدنهم التي حل بها في رحلته إلى الحج بمدن الكفر ويدعو عليها بالدمار(6)، وكان إذا ما مر بمدينة عربية إسلامية يذكرها بعبارات فيها كثير من التعاطف والمحبة الصادقة مثل ذكره لمدينة تونس عند عودته من الحج قائلا: "وركبنا من الغد في بابور صغير بطئ المشي إلى مدينة تونس عمرها الله بالإسلام..."(7) وكذلك الشأن عند وصوله إلى مدينة الرباط حين يقول: "ثم سافرنا إلى رباط الفتح على البغال فبتنا دونه ليلة ودخلنا من الغد عند الزوال..."(8)

ويمكن القول بأن الفقيه محمد يحي الولاتي كان واعيا منذ نشأته بحجم الخطر المحدق بوطنه من طرف النصارى وكان الرجوع إلى أصول الدين والاستنارة بالسلف الصالح من الأيمة والمفتين السند له في تنمية وعيه الديني وحسه "الوطني"، ومؤلفاته ومواقفه دعوة واضحة ووقفة حاسمة من أجل رفض الاستعمار ومقاومته من أجل التمسك بحرية واستقلال بني قومه والمحافظة على المقومات الأساسية لشخصيتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1) سلمني نسخة منها أخونا وصديقنا الإعلامي الأديب السيد سيدي محمد بن مولاي أحمد بن جعفر

2) من مواليد مدينة النعمة في عشرينات القرن التاسع عشر، له العديد من المصنفات من أهمها كتاب الجمعة الذي يثبت فيه وجوب صلاة الجمعة علي سكان مدينة ولاتة بعد أن أفتى الشيخ الفقيه محمد يحي الولاتي بسقوطها عنهم وكتابين مخطوطين في التاريخ أحدهما "تحفة الظرفاء في أسماء الملوك والخلفاء" والثاني"تاريخ التكرور ومالي" ويوجد الأول حسب ما أورده الخليل النحوي في كتاب"شنقيط المنارة والرباط" بمركز المخطوطات الموريتاني، ويوجد الثاني حسب الباحث مولاي إسماعيل ولد مولاي أحمد ولد مولاي جعفر بمركز IFAN بدكار، وله كذلك العديد من الفتاوى، أسلم على يديه ماسري كيتا، جد رئيس جمهورية مالي السابق مديبو كيتا حسب أبي الغيث بن مولاي أحمد بن جعفر بن المهدي في رسالته، "تحقيق فتاوى العلامة جعفر بن المهدي" بمعهد إبن العباس للدراسات الإسلامية السنة الدراسية 1996/1997 تحت إشراف الأستاذ محمد المختار ولد مبالة. وتوفي جعفر سنة 1311هـ-1894م بقرية قيرة بجمهورية مالي (عن كتاب: حروب التوغل الفرنسي ومقاومتها في أرض البيضان، قراءة في التاريخ الموريتاني المعاصر. تأليف سيدي محمد ولد مولاي أحمد ولد جعفر- مطبعة الدستور- الطبعة الأولى سنة 2009- نواكشوط-موريتانيا ص64-65.).

3) جزء من المقدمة إنمحى من الشعر الأصلي وقد يكون: الحمد لله

4) عن كتاب: حروب التوغل الفرنسي ومقاومتها في أرض البيضان، تأليف سيدي محمد ولد مولاي أحمد ولد جعفر- مطبعة الدستور- الطبعة الأولى سنة 2009- نواكشوط-موريتانيا ص65و66

5 ) عن مقدمة "العروة الوثقى الموصل إلى منبع الحق والتقى" لمحمد يحي الولاتي الهامش 41 ص 32 تحقيق حسني ولد الفقيه.

6) الرحلة الحجازية ص315

7) الرحلة الحجازية ص213

8 ) الرحلة الحجازية ص315

ــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع

1. الرحلة الحجازية، تأليف الفقيه الحافظ محمد يحي بن محمد المختار الولاتي، (توفي سنة 1330هـ 1912م،) تخريج وتعليق الدكتور محمد حجي، طبع دار المغرب الإسلامي سنة1990م

2. محمد يحي الولاتي، العروة الوثقى الموصل إلى منبع الحق والتقى، الجزء الأول، أعده للطباعة وقدم له حسني ولد الفقيه، نشر دار النعمان للطباعة والنشر والتوزيع ص ب 251 برج الكنفان 6120 الجزائر الطبعة الأولى 1426هـ -2005م

3. بلاد شنقيط المنارة والرباط، عرض للحياة العلمية والإشعاع الثقافي والجهاد الديني من خلال الجامعات البدوية المتنقلة (المحاضر) تأليف الخليل النحوي، نشر بتونس – المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 1987م

4. حروب التوغل الفرنسي ومقاومتها في أرض البيضان، قراءة في التاريخ الموريتاني المعاصر، تأليف سيدي محمد ولد مولاي أحمد ولد جعفر، مطبعة الدستور 5291521 الطبعة الأولى سنة 2009 نواكشوط موريتانيا

5. حسام العدل والإنصاف القاطع لكل مبتدع بأتباع الأعراف، تأليف الشيخ محمد يحي بن محمد المختار بن الطالب عبد الله الولاتي (توفي 1330هـ/1912م)، تحقيق وتقديم عبد الرحمان بلحاج علي، دار الميزان للنشر في سوسة تونس، طبعة أولى سنة 2008م

 

عبد الرحمان بلحاج علي /سفير الجمهورية التونسية بنواكشوط