الفقيه والمجتمع في الحواضر الصحراوية : محمد يحيى "الفقيه" ومجتمع «ولاتة» نموذجا

الفقيه والمجتمع في الحواضر الصحراوية : محمد يحيى "الفقيه" ومجتمع «ولاتة» نموذجا

عبد الودود ولد عبد الله (ددود)

الحواضر الصحراوية:

شهدت منطقة الغرب الإفريقي ظاهرة "الحواضر الصحراوية"، أو "مدن القوافل" في مرحلة مبكرة من تاريخ التواصل الصحراوي السوداني.  ولعل النموذج الأولي لهذا النمط العمراني بأبعاده الاقتصادية والثقافية كان حاضرة "غانة" نفسها التي كانت تنقسم إلى مدينتين:

 مدينة الملك ومدينة التجار المسلمين. في المدينة الأخيرة كان للفقهاء دور كبير في إقامة الشعائر الدينية وتقنين المعاملات التجارية، بمراعاة أحكام الشريعة الإسلامية، دون تدخل من سلطات غانة الوثنية.

 تعرضت دولة غانة في منتصف القرن الهجري الخامس لأزمة متعددة الأبعاد أدت إلى تقويض النموذج الثقافي الغاني القائم على التعايش والاختلاط بين الأديان (الإسلام والوثنية)، والمذاهب (السنة والشيعة) والأعراق (السودان والبربر والعرب) والإثنيات ( صنهاجة وزناتة).

  وتجسد رد الفعل المعارض لهذا النموذج في حركة طهرية إسلامية هي حركة المرابطين التي هاجمت أطراف الدولة الشمالية فحطمت أودغست كبرى مدن التجار المسلمين، حيث يذكر البكري أن المرابطين "استباح(وا...) حريمها وجعلوا جميع ما أصابوا فيها فيئا (...)، وإنما نقموا عليهم أنهم كانوا تحت طاعة صاحب غانة وحكمه"[2].

 وبالمقابل، نشأت في جنوبي الدولة الهرمة حركة طهرية مضادة ذات منزع وثني، هي حركة الصوصو المناوئة للسياسة الغانية المنفتحة على المسلمين. والمفترض أن الصوصو هم من أخضع غانا الوثنية وحطم مدينة غانا الإسلامية.

 

"بيرو"، "إيولاتن"، «ولاتة»، أسماء وعصور:

كانت «ولاتة» أو "بيرو" كما كانت تدعى في "العهد الغاني"، بمثابة امتداد لمدينة التجار المسلمين في "غانة".  فقد لجأ إليها تجار العاصمة الغانية الخائفين من بطش "الصوصو" حيث شكلوا جيشا لحمايتهم من المخاطر التي تتربص بهم من الجنوب والشمال، قبل أن يسيطر ملك مالي، أو التكرور كما يسميه المقري الجد، على "كورة إيولاتن وأعمالها"[3].

في هذا العهد "التكروري" أصبحت "بيرو"  تدعى "إيولاتن" حيث تبدو مدينة صنهاجية مسوفية تحت سيطرة ممثل السلطان المالي الذي كان يكتفي بحفظ الأمن والجباية، أما غير ذلك من الشؤون العامة فقد كان موكولا للقاضي. واستمر هذا النظام طيلة حكم السونغاي، بل زاد اعتبار "أساكي السونغاي" لمكانة رجال الدين في المدن التجارية.

 وعند ما تراجعت «المنظومة التكرورية» إثر سقوط دولة السونغاي  (999 هـ./1592م.) بدأت «المنظومة الشنقيطية» في التبلور بملامحها الثقافية المميزة (انتشار العربية اللهجية، تغلب نموذج عمود النسب والقبيلة العربيين، انتشار الأدب العربي الفصيح "النهضة الشعرية"، البداوة العالمة ، التعمق في المباحث العلمية المتنوعة: علم الكلام، التصوف، المساجلات الفكرية والأدبية، إلخ..).

 عربت كلمة "إيولاتن" لتصبح «ولاتة» في بدايات "العهد الشنقيطي" ، وكانت المدينة في مستهل هذا العهد بمثابة رأس الجسر. فعن طريق علمائها انتقلت أسانيد «المنظومة التكرورية» الأثيلة إلى علماء «المنظومة الشنقيطية» الناشئة، وفي مدارسها تشكلت التقاليد العلمية الجديدة (التفنن في المباحث الكلامية، انتشار الشعر العربي الفصيح والتأنق في تطوير أشكاله رغم التهيّب الواضح فيما يتعلق بالمضامين ).

 وتفاعلت «ولاتة» مع المراكز الثقافية الأخرى ضمن الفضاء الشنقيطي فاستقبلت طلبة الحواضر والبوادي القريبة والبعيدة، كما فتحت مدارسها للعلماء المدرسين الوافدين من الحواضر الأخرى[4] و من البادية العالمة[5].

 وتعرضت مكانة الفقه والفقهاء في «المنظومة الشنقيطية» إلى تحولات بنيوية ووظيفية عميقة. فعلى المستوى البنيوي أصبح الخطاب الفقهي عرضة لمزاحمة أنواع الخطاب الأخرى (الخطاب الصوفي، و الكلامي، والأدبي..). وعلى المستوى الوظيفي لم تعد للفقيه مكانة ثابتة ضمن أجهزة الدولة المركزية كما كان عليه الحال في عهد سيادة «المنظومة التكرورية»، لأن الدولة المركزية هي الغائب الأكبر في مشهد «المنظومة الشنقيطية».

 غير أن فك الارتباط مع الدولة المركزية الآفلة لا يعني انفكاك الفقيه عن شؤون مجتمعه وشجونه، لاسيما قضية التوفيق بين واقع المجتمع ومقتضيات الشرع. وقد تبلور التعاطي العلمي مع هذه القضية الجوهرية في جملة مشاريع فكرية يمكن تصنيفها إلى مجموعتين:

  مشاريع ذرائعية تركيبية  تتوخى التسويغ البعدي للأوضاع والممارسات الاجتماعية عبر تكييف النص لتشريع واقع المجتمع، في نوع من محاكمة النص بدل المجتمع، كما في  نوازل ابن الأعمش والشريف حمى الله، و كما نجد عند الشيخ محمد المامي في كتاب البادية أو رسالة الذب بالشريعة عن العشيرة.
 مشاريع نقدية تفكيكية ترمي إلى تغيير واقع المجتمع لينسجم مع مقتضيات النص الشرعي، عبر محاكمة الفكر السائد والمجتمع القائم،  كما نجد عند المجيدري و ابن الحاج إبراهيم.

 وقد سعى مشايخ التصوف الطرقي منذ الشيخ المختار الكنتي إلى التوفيق بين هذه المشاريع، لتتعايش فيما بينها وتتسامح مع المشروع الصوفي نفسه.

 و ساهم ازدهار الطرق الصوفية في تحول أبرزها إلى مشاريع سياسية، كما هي حال القادرية الكنتية والتجانية العمرية اللتين اصطدمتا فيما بينهما – في النهاية - كما اصطرعتا مع دولة ماسينا الإسلامية، وكانت نتيجة ذلك انهيار القوى الإسلامية الثلاث، مما أغرق «ولاتة» وأحوازها في حالة من الخوف واضطراب شبكة التموين بالحبوب والمواد الأساسية، وازدياد الخوف من خطر المستعمر المتربص. في هذا السياق نشأ الولاتي.

 

الولاتي: سياق النشأة وملامح المشروع.

نشأ الولاتي في حاضرة كانت قد بدأت في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري تجتر تاريخها الحافل بالعلم والعلماء كما سجله ابن المدينة البرتلي في بداية هذا القرن ضمن كتاب فتح الشكور الذي يمكن اعتباره محاولة  لمغالبة نسيان ماضي المدينة المشرق بصورة لا تخلو من بعض الشجن.

 وواصلت "دور التلاميذ"[6] استقبال طلاب العلم بصورة آلية، ولو بعدد أقل من المدارس والطلاب. ومع أن «ولاتة» لهذا العهد لم تعد كما كانت، فإن عطاءها لم يكن قد توقف، فما زال في مدارسها شيوخ وما زال في مكتباتها ذخائر.

 في هذه المدينة التي كانت تعتز بماضيها وتشفق لحاضرها وتقلق لمستقبلها،  نشأ محمد يحيى بن محمد المختار بن الطالب عبد الله العلوشي الداودي، المعروف خارج مدينته  بـــنسبته إليها (الولاتي)، وداخلها بلقبه العلمي (الفقيه) (1259- 1330هـ./1843- 1912م.)[7]. ويبدو أن المنية عاجلت أباه فنشأ الولد يتيما، ضمن أسرة علمية مرموقة، حيث كان جدّه[8] وعمّه[9] من مشاهير علماء المدينة.

 غير أن هذا اليتم الشخصي الذي حرم الفتى من الأخذ مباشرة عن أسلافه، ويتْم مدينته العام الناتج عن تراجع مكانتها بالنسبة لما كانت عليه،  لم يمنعاه من النهل مما ظلت مدارس المدينة ومكتباتها تزخر به  من تراث علمي يانع رغم عاديات الزمن.

 بل إننا لنعتقد أن هذا اليتْم المزدوج قد وجه الرجل وجهة عصامية في تحصيله ومساره العام. هكذا اختار بعد مراحل الطلب الأولى أن يعول على الدراية أكثر من الرواية، فأقبل على ذخائر مكتبات المدينة العامرة، متخذا من مطالعة الكتب منهجا للتحصيل ومن نسخها مهنة ومصدر رزق.

  ولعله قد تولد لديه من كل ذلك ميل أصيل إلى الاستقلال في النظر والتعمق في البحث والإمعان في المطالعة الحرة المستقصية، والتعويل على الوصول إلى الحقيقة دون محاباة أو مغالطة.

  ولا يبعد أن يكون لهذا التوجه بعض الأثر فيما عرف عن الولاتي من قوة العارضة في الحجاج وتوخي الانسجام في صياغة الخطاب، والتحرر من وصاية العلماء في عصره وقطره.

 وقد تعزز هذا المنحى لدى الولاتي بعد رحلته الحجية المشهورة.

 

الرحلة: سياحة في فضاءات العالم والعلم:

لم يكن توجه الولاتي إلى الحج مجرد تنقل في المكان، بل كان فضلا عن ذلك رحلة في الوعي، ومناسبة للتماس مع هموم العصر.

 ولم يكن الولاتي بدعا في ذلك، بل سبقه كثيرون من قومه دوّن بعضهم رحلته وبعضهم لهم يفعل. وكانت الرحلة حاسمة في التطور الفكري لبعضهم، كما هو حال التنواجيوي والمجيدري اللذين رجعا من الرحلة بدعوات جديدة، على عكس آخرين، وهم الأكثر، ممن لا يبدو أن  الرحلة قد تركت كبير أثر في مسارهم الفكري.

 فأين كان الولاتي من هذين النموذجين؟

 لاشك أنّ الرحلة الحجية لم تقلب مسلمات الولاتي ولم تغير رؤيته بصورة حاسمة. ذلك أن الرجل كان قد بلغ مرحلة النضج سنّا وعلما قبل توجهه إلى الحج، وكان ملاقوه في الرحلة، بمن فيهم الفقهاء، يتعلمون أو يستفتون، تثبّتا في أكثر الأحيان، وتحديا أو عنادا في حالات نادرة. أي أنه في علاقاته ولقاءاته أثناء الرحلة كان في الغالب معلما لا متعلما.

 ومع ذلك لا يمكن إغفال التأثير القوي لهذه الرحلة في تشكيل المنظومة الفكرية التي صاغها الولاتي في العشريتين الأخيرتين من حياته. غير أنّ هذا التأثير يبدو أقرب إلى تأكيد توجهات سبق منه التعبير عنها قبل الحج ثم بلورها أثناءه أو بعده بصورة أكثر بروزا.

 وما دام أن منهج الرجل المفضل في التحصيل هو المطالعة، فلا غرو إن كانت أقصر الطرق إلى عقله هي إمداده بالكتب. ولعل العلماء والأفاضل الذين التقوه في هذه الرحلة قد انتبهوا لذلك فتباروا في إتحافه بأمهات الكتب التي كان أغلبها حديث النشر. 

 وسنتوقف سريعا عند محطتي الإسكندرية وتونس من هذه الرحلة، على طريق الإياب.

 

  الحوار مع الشاطبي:

نزل الولاتي في الإسكندرية عند السيد أحمد حمزة، أحد فضلاء المدينة وأدبائها النابهين، المتشوفين للقاء علماء الحجاج الشناقطة. إذ لا يبعد أن يكون هو نفس الأديب أحمد حمزة المذكور في رحلة عالم شنقيطي آخر [10].  

 ولم يقتصر أحمد حمزة هذه المرة على استضافة الولاتي، والاستفادة من علمه، بل أصر على استدعاء نخبة العلماء للاجتماع به. ويسرد الولاتي أسماء بضعة وعشرين ممن لقيهم من علماء مدينة الإسكندرية وأعيانها، وإجازاته لبعضهم، واستجازته من البعض منهم في الفقه الشافعي خاصة.

  وقد تبارى الفضلاء الإسكندرانيون في إتحاف الولاتي بنفائس الكتب، فعد منها في رحلته ما يناهز الخمسين من المجلدات المهداة إليه في هذه المحطة.  ويستشف من كلام الولاتي أن هذه الكتب كانت إهداء من مكتبات مضيفيه، إلا كتاب الموافقات للشاطبي فإنه يذكر أن أحد مضيفيه اشتراه له، مما يعني أنه كان مهتما بالحصول عليه خاصة، حتى لقي من اشتراه له من سوق الكتب.

 ويعتبر كتاب الموافقات لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت. 790 هـ.) ضريبا لمقدمة معاصره ابن خلدون(ت. 808 هـ.) باعتبار ما تعرضا له من الإهمال طيلة القرون الخمسة التي تلت تأليفهما، وما استقبلا به من الحفاوة عندما طبعا لأول مرة. فقد اقتصرت العناية بالموافقات بعيد تأليفه على نظم وضعه تلميذ للمؤلف من مدينة وادي آش، وبقيت من هذا النظم نسخة يتيمة بخط الناظم الذي لم يحسم أمر هويته بعد.

 غير أنه ما إن طبع كتاب الموافقات، لأول مرة بتونس سنة 1302 هـ، حتى تلقفه دعاة النهضة الإسلامية وتواصوا على العناية به وتكوين النشء عليه، وأصبح المدخل المقاصدي من أهم مداخل مشروع الإصلاح لدى قادة التجديد في الفكر الإسلامي منذ الإمام محمد عبده حتى الجابري[11].

 ومن اللافت اهتمام علماء الشناقطة بهذا الكتاب في مرحلة مبكرة من تاريخ الاعتناء به. فقد اكتشف محمد محمود التركزي الشنقيطي في رحلته العلمية للبحث عن الكتب العربية  في خزائن اسبانيا سنة 1305 هـ. مخطوطة نظم الوادي الآشي الفريد لكتاب الموافقات في مكتبة الأسكوريال، بخط الناظم نفسه.  ونبه الشنقيطي إلى أهمية هذا المخطوط، لأنه: "سفر لا نظير له في الدنيا"ومن الواجب "أن يستنسخ ويطبع في بلاد المسلمين لاحتياجهم إليه عموما، خصوصا المالكيين منهم، والحنفيين"[12].

 وفي السنة الموالية (1306 هـ.) يذكر الشيخ ماء العينين أنه حظي بنسخة من كتاب الموافقات مبديا إعجابا كبيرا بهذا الكتاب[13]، وألف نظما للكتاب أسماه موافق الموافقات، ثم  شرحه بكتاب المرافق على الموافق،[14].

 وقد كان الولاتي ضمن هذا الرعيل الأول من المعتنين بكتاب الموافقات تلخيصا ومناقشة وتعليقا، بتأليفه كتاب توضيح المشكلات في اختصار الموافقات.

 مع أن الولاتي لم يفصل القول حول منهجه في تلخيص الموافقات، كما فعل في مقدمة تلخيصه لكتاب نشر البنود على مراقي السعود، إلا أن الظاهر أنه اعتمد في توضيح المشكلات أسلوبا مقاربا لمنهجه في فتح الودود، وهو المنهج الذي أوضحه بقوله: "أردت أن أختصره مع الإيضاح والتفسير لعبارته بعبارة ذات بيان وتحرير ليسهل الإقراء به ومطالعته على المبتدئين، وتتضح معانيه ومقاصده للعلماء المنتهين، مع أني استكملته في التقييد إلا قليلاً مما لا يجدي لكونه لا يثمر أو لكونه عليلاً"[15].

 ويتعيّن مثل هذا المنهج أكثر في حق كتاب الموافقات الذي قيل إن من أسباب إهماله بعيد تأليفه تعقيد بعض عباراته وغموض كثير من إشاراته.

 ولم يكتف الولاتي بصقل عبارات الشاطبي وتـجليتها، بل ناقشه في كثير من أحكامه ورد عليه بعض آرائه.

 فمن ذلك رده على قول الشاطبي  بجواز  وصال الصوم وسرمدة العبادة، حيث يقول الولاتي "ما ذكره المصنف من أن الوصال في الصوم وسرمدة العبادة يجوز لمن لا تلحقه مشقة تصده عن حوائجه وضروراته (..) إلى آخر كلامه، خطأ واضح، لأن الوصل حرام بصريح الحديث الصحيح، وليست العلة في تحريمه مجرد المشقة (..) بل للإعراض عن ضيافة الله تعالى للصائم بما شرع له من الفطور والسحور (..) فمن واصل من الزهاد (..) فقد اقتحم النهي وأعرض عن ضيافة الله تعالى له بالفطور والسحور، فلا يعد ذلك كرامة، بل هو نقص وتنطع وابتداع."[16]

 ويصرح بالرد على الشاطبي في مسألة تصريح الولي بكرامته، حيث يذكر أن "قول الشاطبي: <<فكذلك نقول إن للولي أن يظهر الكرامة لمعنى شرعي لا لحظ نفسه>> إلخ...، خطأ واضح، لأن السبب الذي أظهر النبي صلى الله عليه وسلم الخارق لأجله، وهو الوحي والتشريع، منــتف في حق الولي قطعا، فمن رأيته يتسبب في إظهار الكرامة ويقصد إليها فاعلم أنه ليس من حزب الله و لا من أوليائه"[17] .  ثم يختم الولاتي حواره مع الشاطبي حول هذه النقطة بأسلوب بعيد عن منطق المحاباة: "فما قاله المصنف (= الشاطبي) من أن الولي يجوز له القصد إلى إظهار الخارق لمعنى شرعي لا لحظ نفسه، لا أصل له شرعا"[18]

 

مع رجالات "العروة الوثقى"

توجه الولاتي من الإسكندرية إلى القاهرة، لكن إقامته بها كانت قصيرة جدا، فلم يلتق بعلمائها ومصلحيها.

أما في تونس، فقد أقام نحو ثلاثة أشهر  (من 14 رجب[19] إلى 11 من ذي القعدة[20] سنة 1314)، فأتاحت له هذه المدة فرصة اللقاء مع كبار العلماء والوجهاء.

 وكما في الإسكندرية تبارى العلماء في إكرام الولاتي وإتحافه بالهدايا الثمينة، لاسيما الكتب، وأثبت كل ذلك في الرحلة. ونوه الولاتي في تونس بأحد "فضلائها وعلمائها سيدي محمد باشا طبج " قائلا إنه "أحبنا محبة عظيمة وعاشرنا معاشرة حسنة طيبة، وتوسط لنا في هدايا أوصلها إلينا من بعض أعيان الناس"[21]. وقد ترجم باش طبجي للولاتي ترجمة حافلة[22] تظهر مدى إعجابه بعلمه وفكره وشخصه، كما ذكر جانبا من مطارحاتهما حول المذاهب الفقهية، لاسيما المالكي والحنفي، مقارنة بين قواعدهما، وسبل إجراء أحكامهما، حيث كان باش طبجي حنفيا في مذهبه، لكنه كان مستقلا في فكره، إصلاحيا  في توجهه. وله تأليف في الأصول[23] يظهر تأثره بموافقات الشاطبي كما هو حال أغلب المصلحين في عصره.

 وقد يكون لهذه المذاكرة حول أصول المذهب الحنفي بعض الأثر في ميل الولاتي  إلى طريقة الحنفية في علم الأصول، المعروفة  بطريقة الفقهاء[24]، كما يظهر من شرحه لأصول البزدوي[25]. 

 غير أن الأهمية الخاصة لهذه المحطة في رحلة الولاتي إنما تعود في الحقيقة إلى لقائه مع رواد الإصلاح في تونس لذلك الوقت بزعامة الشيخ سالم بوحاجب[26] الذي يعتبره الولاتي "من فضلاء (تونس) وعلمائها الذي تنتهي إليه الكلمة عندهم في الفتوى"[27] ومحمد السنوسي[28]  الذي تحدث عنه باعتباره "من فضلاء تونس وعلمائها"[29]، وأنه أهداه كتبا منها "كتاب المجلة في جزء"[30].

 كان الشيخ بوحاجب وتلميذه السنوسي من كبار مناصري دعوة الإمام محمد عبده، وقد اشرفا على تأسيس الفرع التونسي السري لجمعية "العروة الوثقى"[31].

 وصادف ورود الولاتي إلى تونس تأسيس "الجمعية الخلدونية"[32] التي كانت بمثابة الذراع التربوي العلني لجمعية "العروة الوثقى"[33]، حيث تولى سالم بوحاجب إلقاء درسها الافتتاحي.

 إن هذه الرحلة، بمختلف محطاتها، قد أتاحت للولاتي أن يطلع على أوضاع العالم الإسلامي، وكبريات القضايا الفكرية المطروحة عليه،  ومقارنتها بأوضاع بلده وقضاياه.

 ولعلها قد ساهمت في بلورة رؤية الولاتي النقدية الصارمة ووعيه الحاد بالفجوة الواسعة بين مقتضيات الشرع ومنظومة الأعراف الجاري بها العمل في مدينته وبلده، بما يختلط فيها من حق وباطل، وما ينجر عن ذلك من حيف في حق العباد وتهاون في أمور العبادة.

 وقد جسد الولاتي هذه الرؤية في مشروع فكري يرمي إلى إحياء رسوم الدين في المدينة وصولا إلى إصلاح أوضاع المجتمع.

 

 المدينة والمجتمع

في عصر الولاتي وقطره، كان أغلب العلماء تقليديين يقرؤون النصوص القديمة، بعيون مؤلفيها في العصور الغابرة، ويستعيدون متونها غافلين عن التطورات اللاحقة، ويفتخرون بأنهم لم يزيدوا حرفا واحدا على ما كتب سابقوهم، وأن العهدة على المنقول عنهم، "وكفى الله المؤمنين القتال".

 أما الولاتي فمن الواضح أنه لم يكن يقرأ النصوص إلا ليتدبرها بهدف استثمارها في إصلاح أوضاع مجتمعه.

 كان يطالع بعينين فاحصتين وعقل يقظ: عين تنظر في النص وأخرى ترنو إلى الواقع، وعقل يقارن بينهما محللا ناقدا. أي أنه كان أقرب إلى ما يمكن أن نسميه "الفقيه العضوي".

 

 الفقيه العضوي

ولا يختص هذا المنحى لدى الولاتي بفتاويه ومراسلاته لأعيان بلده، أو كتبه المؤلفة حول مواضيع ترتبط عضويا بأوضاع مجتمعه وشجونه كما في كتاب حسام العدل والإنصاف القاطع لكل مبتدع باتّباع الأعراف[34]، حيث يعطي الأمثلة من عرف مدينته ولاته[35]، وينتقد ممارسات نخبتها وابتعادها عن المعايير الشرعية الصحيحة وخلط المفتين بها بين "العرف" بمفهومه الشرعي الاصطلاحي، والعرف بمفهومه اللغوي العامي[36]، بل نجد هذا التوجه في كتاباته التي لا ترتبط ارتباطا خاصا بأوضاع مكانه وزمانه، مثل شروحه على كتب المتقدمين.

  فبإلقاء نظرة عجلى على كتاب مثل "سلّم الفقه والدراية علي جمع النهاية"[37] الذي شرح به اختصار ابن أبي جمرة[38] لصحيح البخاري المعروف بــــــ  "جمع النهاية في بدء الخير والغاية"، مع التعليق على شرح ابن أبي جمرة لمختصره، نجد الولاتي مسكونا بهموم عصره ومتطلبات الإصلاح في مدينته، كما يظهر من الجدول التالي، على سبيل المثال:

 

 

 يقرأ الولاتي النص في ضوء معطيات الواقع، وينقد الواقع في ضوء مقتضيات النص. يرفض اجترار النصوص دون فهم، واستخدام المفاهيم دون صقل، وتقبل الواقع دون نقد، وتكرار الطقوس بدون وعي.

 ومن أهم تجليات منزعه النقدي تساؤله حول واقع مدينته، وهل مازالت مدينة بالمعنى الشرعي؟

 

من المسجد إلى المدينة

ينطلق الولاتي من مبحث حكم صلاة الجمعة في «ولاتة»، ليطرح إشكالية تحديد مفهوم المدينة بالمعنى الشرعي حيث يتعين أداء صلاة الجمعة.

 سبق للولاتي أن تناول قضية صلاة الجمعة في مدينة كليميم، من منظور مفهوم المسجد العتيق والجديد، في سياق تحويل الجمعة بأمر من حاكم كليميم إلى مسجد جديد، وإصرار مجموعة من سكان المدينة على الصلاة في المسجد القديم بعد أن رمموه.

 يجيب الولاتي عن هذا السؤال دون مواربة: "الصحيح جمعة الجديد لأنه هو العتيق و (..) الجمعة في القديم باطلة لانتقال وصف العتاقة عنه"[39].

 ثم يوضح علاقة صحة الجمعة بسلامة المرجعية السياسية لأن "الجمعة لا يقيمها في البلد إلا السلطان أو مأموره أو من له الحل والعقد في القرية"[40].

 بالنسبة للجمعة في «ولاتة»، يتجاوز الولاتي سؤال مفهوم المسجد إلى التساؤل حول مفهوم المدينة نفسه. هل يمكن اعتبار «ولاتة» "مدينة" أو "قرية" أو "مصرا"؟ وهل لديها من المقومات السياسية والاقتصادية ما يخول تصنيفها ضمن فئة الأمصار التي تقام فيها الجمعات؟ وهو بذلك يعيد طرح إشكال أصولي نجد أوضح تحليل لمدركه لدى ابن رشد الحفيد[41].

 استعرض الولاتي مجمل الأقوال الواردة في المسألة ثم رجح اشتراط حد أدنى من المقومات الاقتصادية والسياسية في أي تجمع حضري يراد له أن يحتضن مسجدا تقام فيه الجمع.

   يذكر من المقومات  الاقتصادية وجود السوق واستقلال الحاضرة بنفسها في توفير حاجاتها التموينية الأساسية. أما المقومات السياسية والأمنية فأهمها القدرة على ضمان استتباب الأمن لسكان المدينة وممتلكاتهم، لأن الجمعة رمز لاكتمال عز الأمة، فلا ينبغي أن تقام في بلد يمكن أن يتعرض في أي وقت لهجوم "لصوص الأعراب" وإهانة المصلين، والنيل من "أبهة الإسلام"[42].

 وبناء على ذلك فإنه لا مجال حسب رأيه لإقامة الجمع في مسجد «ولاتة»، لأن هذه المدينة ينقصها  " شرط (..) متفق عليه بين المالكية وهو الجماعة القادرة على الدفع عن أنفسهم وأموالهم وعلى نصب الأسواق وإقامة أبهة الإسلام (...) آمنين من لصوص الأعراب. وفقد هذا الشرط من جماعة «ولاتة» كنار على علم في الشهرة عند الحاضر والبادي بالعيان والسماع والتواتر"[43] .

 

 المدينة أو العشيرة

 يعتبر توريث الخطط الدينية تقليدا متأصلا في المدن الصحراوية. ولا يقتصر الأمر على «ولاتة»، بل يشمل كل المدن الصحراوية تقريبا.

  فقد كانت أسرة آل "اندغ محمد الكبير" هي التي تتولى خطة الإمامة والقضاء في تنبكت، ثم ورث "الأقيتيون" هذه الخطة لأنهم أحفاد "اندغ محمد الكبير"، بنو بنته، ثم أورثها الأقيتيون أحفادهم في مدن صحراوية أخرى[44].

 ويكثر أن يصبح هذا التقليد مثارا للخلاف، لاسيما في فترات التحول عندما يحل ادعاء الاستحقاق بمجرد الوراثة محل الوراثة المستحقة عن جدارة[45].

    والظاهر من بعض الوثائق[46] أن الأمر في «ولاتة» لم يبتعد كثيرا عن ذلك.  فقد اندمجت المجموعات الولاتية الأصلية الثلاث (بنو الفقيه عثمان، وبنو الفقيه القاضي محمد بن علي المعروف بانداعلي، وبنو الإمام اندغ محمد الكبير)[47] في مجموعة واحدة، أو بعبارة الديسفي[48] "صاروا قبيلا واحدا وتصاهروا"، وأصبحوا يعرفون جميعا بالمحاجيب. وبذلك أصبحت كلمة "محجوبي" مرادفة لكلمة "ولاتي"، فلا يعتبر غير المحجوبي ولاتيا كاملا ولو تعددت أجيال أسلافه في المدينة[49].  

 كان بنو "اندغ محمد الكبير" المندمجون في "المحاجيب"يتولون خطة الإمامة في ولاتة، ويعرفون لذلك "بالإمامات"، ثم أورثوها أحفادهم من "المحاجيب"، فاستمرت الإمامة عند هذا الفرع من أحفاد "الإمامات"[50]. 

 ويعتبر علماء "ولاتة" التقليديون أن "عادة أهل "ولاتة" في الإمامة موافقة للشرع العزيز، فهي خالدة دائمة في "المحاجيب" ما أقاموا الدين، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مفاتيح الكعبة (..) وكما قال في سقاية الحاج، وكما قال في الإمارة أنها في قريش ما أقاموا الدين، إلى غير ذلك من الوظائف الشرعية. وكذلك إمامة "ولاتة" لا تكون إلا في "المحاجيب"، في بيت العلم منهم والدين والنسب والخلق"[51].

 أما الولاتي فإنه يعتبر هذه العادة نقضا لقواعد الشرع وتحكيما لسنن الجاهلية الأولى: " قد عكس أهل هذا الزمن السنة المحمدية فجعلوا الأحق بالإمامة ابن الإمام أو أخاه، وجعلوا ذلك عادة محكمة نسخوا بها الشرع العزيز، وهذه عادة مبتدعة من سنن الجاهلية، نسأل الله السلامة وأن يميتنا على السنة المحمدية"[52].

 وينطبق الأمر نفسه على خطة القضاء، حيث يحلل الولاتي آلية إسناد القضاء في المدينة، مظهرا فسادها:  "إن أهل قريتنا هذه ما (ولوا من) ولوه القضاء إلا تحكيما للعادة والهوى. أما العادة فإنها جارية عندهم أن لا يتولى القضاء إلا من هو "محجوبي"، وأما الهوى فلأنه أحب "المحاجيب" إليهم وأقربهم عندهم لأن بيده بيت مالهم"[53].

 

لا بد حسب رأي الولاتي من الاختيار: فإما المدينة وإما العشيرة.

 لكي تصل المدينة إلى الأفق الحضري لا بد من تحكيم قواعد الشرع ومعاييره العامة المجردة. وعندما تخضع الجماعة للمنطق العشائري حيث التقليد الأعمى والمعايير الذاتية، أو "العادة والهوى" حسب اصطلاح الولاتي، فإنها تنحط بالمدينة عن الأفق الحضري، حتى ولو ارتفعت مبانيها وازدحمت بالسكان. والملاحظ أن الولاتي لا يقدم تصنيفا جامدا بقدر ما يحدد جملة متطلبات ديناميكية يمكن تحقيقها أو التراجع عنها حسب أداء جماعة الحل والعقد.

  وبذلك يقدم الولاتي نظرية أقرب إلى التكامل حول المدينة، ومعايير التفريق بين الأفق الحضري والأفق الريفي. ولا شك أنها نظرية تقترب كثيرا من النظريات المعاصرة حول المدينة، مع أنها في نفس الوقت تمتّ بأقوى الأسباب إلى التراث الفقهي الإسلامي[54].

 

"ولاية الفقيه" 

يعتبر الولاتي أن أصل الداء هو فساد جماعة الحل والعقد التي كان يمكن، لو صلحت،  أن تحل محل السلطان الغائب. ويعقد الفصل الأخير من كتابه رسالة النصح والوفاء عن الحيف في فض المداراة على أموال الضعفاء لموضوع واحد هو "بيان الشروط المشترطة عند أهل التحرير والنقد في الجماعة التي يمضي على العامة كل ما فعلت من الحل والعقد"[55]. ويجمل هذه الشروط في "العلم والعدالة والرأي"، ليخلص إلى أن "هذه الشروط الثلاثة مفقودة في جماعات بلادنا هذه". ومرد ذلك حسب رأيه إلى أن " السفهاء الجهال والفسقة هم رؤساؤها وأهل حلها وعقدها".

 وبناء على ذلك يصرح الولاتي أن "أفعال الرؤساء في بلادنا هذه كلها مردودة شرعا لا يمضي منها شيء على العامة".

 ومن هذه الأفعال المردودة "ترتيب الجماعة (للقضاة، فهو) باطل شرعا لعدم الشروط المعتبرة في القيام مقام الإمام فيها، ولأنها لم ترتب (..من رتّبت من القضاة) إلا تحكيما للعادة والهوى،(..)تعصبا ورياسة".

 ثم إن أساس عمل هؤلاء القضاة إنما هو "تحكيم الهوى والعادة، وذانك باطلان، والباطل لا ينسخ الحق".

 ويكمل الولاتي "مسح الطاولة" معلنا أن "هذه البلاد السائبة (..) لا إمام فيها ولا جماعة تقوم مقامه".

 غير أنه يذكر وجود بذرة صالحة يمكن أن تكون منطلقا لاستئناف البدء في مسيرة الإصلاح انطلاقا من أرضية ثابتة. هذه البذرة الصالحة هي العلم وحمَلته. فيتعيّن على العلماء التصدي لمسؤولياتهم ويجب على المسلمين السمع والطاعة لما يأمرونهم به. يؤكد الولاتي في أكثر من مناسبة أنه " ليس في هذه البلاد ولاية شرعية، مع وجود العلم فيها، فتعيّن على من عنده العلم فيها إقامته بالقضاء وغيره على من حكّمه ومن لم يحكّمه "

 أي أن مسيرة الإصلاح تبدأ حسب رأي الولاتي من مؤسسة القضاء. ولكن من سيعيّن القاضي في ظل غياب السلطان وانعدام شرعية الجماعة ؟  هنا يطرح الولاتي فكرة تعيّن الأمر على العلماء الذين يجب عليهم التصدّي لمباشرة مهامهم باعتبارهم نوابا عن السلطان وعن الجماعة كليهما. "لما عدم السلطان في بعض البلاد اتفقوا على جواز قيام الجماعة مقامه واشترطوا فيها العلم والعدل والرأي. فكذلك إذا انخرمت هذه الشروط أو بعضها وفقدت الجماعة القائمة مقامه، كما في بلادنا هذه، يتعيّن إقامة القضاء على من آتاه العلم الشرعي"

  وبذلك يدعو الولاتي إلى ما يشبه "ولاية الفقيه" في سياق سني، حيث يصبح الفقيه العادل "بمنزلة القاضي النائب عن السلطان أو الجماعة القائمة مقامه". لا ينتظر الفقيه العادل في هذه الحالة تكليفا من غيره، بل يتعيّن عليه التصدي من تلقاء نفسه، قياما بالحق: "يجب في هذه البلاد على من أعطاه الله العلم الشرعي أن يقوم بالحق".

  ومع ما في هذه الدعوة من عناصر الجدّة، فإنها قد تمتّ بوثيق الصلة إلى نموذج "مدينة التجار والعلماء"، كما شهدته المنطقة في عصور غابرة.

 يؤسس الولاتي شرعية تصدي "من آتاه الله العلم" لشؤون الحكم والفصل بين المتنازعين على مبدأ التعيّن وواجب القيام بالحق في ظل انعدام أيّ ولاية شرعية في هذه البلاد. غير أنه لم يكن غافلا عن موازين القوى المحلية والإقليمية. فقد كانت مدينة «ولاتة» واقعة ضمن منطقة نفوذ مجموعة "مشظوف"، وكان للدولة الفوتية في "سيغو" تأثيرها على المنطقة، وكان للولاتي علاقاته الخاصة بهذه الكيانات السياسية لاسيما "إمارة مشظوف" حيث أيد رئيس "مشظوف" ترتيب الولاتي للقضاء، ولذا كان البعض يعتبره "قاضي الإمارة"، مع أنه هو نفسه،كما يظهر من كتاباته،لم يكن يسند شرعية ترتيبه في القضاء إلا إلى علمه وما يتعيـّن عليه من التصدي للأمر في ظل انعدام السلطان وفساد الجماعة.

 ويبدو أنه كان يرجح التحالف مع الزعامات البدوية المحاربة، ويحدوه الأمل في إصلاحها بالتوجيه والنصح والإرشاد[56] للاستعانة بها في مواجهة الظلمة المتفقهين المتولّين شؤون الحل والعقد في المدينة باعتبار أنه لا أمل في تقويم هؤلاء. وهذا ما يفسر موقفه من تجويز إيقاع العقوبة المالية بهدف ردع القوى العشائرية المتنفذة، "إذ لا يجوز إهمال الفجار والظلمة وتركهم بلا تعزير حيث تعذرت إقامة الحدود كما في البلاد السائبة" [57].

 ويظهر من كتاباته ومخاطباته أنه كان يدرك مخاطر التغلغل الاستعماري الذي كان يهدد المنطقة كلها منذ بدايات العقد الأول من القرن الرابع عشر الهجري/ التاسع من التاسع عشر الميلادي.

  كان للمدن التجارية الصحراوية، لاسيما «ولاتة»، وحاضرة "النعمة" المنثبقة منها تاريخيا وديمغرافيا، جاليات من التجار النشطين في المدن السودانية التي خضعت مبكرا للاستعمار الفرنسي، مما طرح أمام هؤلاء المهاجرين إشكالية التعامل مع المستعمرين المخالفين في الدين.

 وبما أن الولاتي كان يراهن على "التحالف مع الزعامات المحلية" لردع الفرنسيين عن اختراق الصحراء واحتلال حواضرها، من جهة، ومواجهة الزعامات العرفية المحلية، لبناء نظام مؤسس على الشريعة وقادر على الصمود، من جهة أخرى، فقد تفطن مبكرا إلى خطورة تعامل نخبة "تجار المهجر" مع الفرنسيين، ودعاهم إلى رفض الدخول في طاعة المستعمر مهما كانت الأحوال، لما يمثله ذلك من تمكين معنوي للوافد الجديد في نفوس سكان المدن الصحراوية نفسها، بما فيها «ولاتة»، حيث تتمتع جاليات التجار بنفوذ مادي واجتماعي كبيرين.

 ومن أمثلة هذه الدعوة القوية رسالة الولاتي وقصيدته الموجهة إلى أحد كبار علماء مدينة النعمة وأثريائها وأشرافها النافذين " أخيه في الله السيد الولي الشريف مولانا جعفر بن المهدي"،  حيث يقول له: "بلغنا أن النصارى يضربون المكس على من استولوا عليه ويطلبونه رغما عن أنفه. وقد استولوا على هذه البلاد وأنتم حماكم الله من ذلك تأبى نفوسكم الزكية المهذبة ونسبتكم النبوية ونخوتكم الهاشمية وغيرتكم الإسلامية أن يكون للكفر عليكم سبيل"[58].

 ولعل لتوقيت توجه الولاتي نفسه إلى الحج علاقة بوصول الفرنسيين إلى أطراف الصحراء، لاسيما بعد احتلالهم "تنبكت"، وهي المدينة التوأم بالنسبة لـــولاتة، حيث سافر الولاتي إلي الحج مباشرة بعد هذا الحدث[59].

 وبعد عودته من الحج ظل الولاتي وفيا لدعوته إلى تحصين الكيان ومواجهة الوافد برفض اختراق مخترعاته لمنظومة الشعائر الدينية، كما يظهر من "فتوى ضرب السلك المسمى التلغراف، هل يثبت به الهلال أم لا"[60]، والدعوة إلى نبذ المعاملات الممهدة لإلحاق الاقتصاد الإسلامي بالسوق النقدي الرأسمالي، كما يبدو من فتواه حول "الحكم الشرعي فيما جرى به العمل في المشرق والمغرب من التفاضل بين السكك في بيع الفضة بعضها ببعض تبعا للقانون الرومي الذي اصطلح عليه أجناس النصارى وأجروه في المسلمين"[61].

 ولا يبعد أن يكون لهذه الدعوة بعض التأثير في حركات "لعصيان المدني والمقاومة السلمية" التي شهدتها المنطقة  بعيد دخول الاستعمار، لاسيما "الحركة الحموية".

 

---------------------------------------------

الهوامش:

[1]  ألقي أصل هذا البحث في ندوة "محمد يحيى الولاتي عالم التجديد والتواصل"، بمناسبة مرور مائة سنة على وفاة محمد يحيى الولاتي، وصدرت أعمال هذه الندوة ضمن منشورات مركز البحوث والدراسات الولاتية، نواكشوط، 2013.

[2]  البكري، المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، الجزائر، 1857، ص. 168.

[3]  ورد هذا العرض في سياق حديث أبي عبد الله محمد المقري الجد عن أسلافه وشركتهم التجارية الممتدة فروعها من تلمسان إلى «ولاتة» عبر سجلماسة، كما نقلها عنه لسان الدين ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، الخانجي، القاهرة، 1974، م.2، ص.ص. 191 وما بعدها. وانظر عرضا آخر لنفس القصة بقلم أبي العباس أحمد المقري الحفيد ، في كتابه: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين ابن الخطيب، دار الفكر، بيروت، 1986، ج.7، ص.ص.204 وما بعدها.

[4]  مثل ابن الهاشم الغلاوي الشنقيطي الذي نشر سند شيخه ابن الأعمش انطلاقا من «ولاتة»، راجع فتح الشكور، ص. 201.

[5]  مثل الأديب واللغوي منيرة الشمشوي الذي انتقل من "القبلة" إلى «ولاتة» حيث أقام مدرسا. راجع فتح الشكور، ص. 229.

[6]  كان في مدينة «ولاتة» مدارس يرتادها طلاب العلم، بواقع مدرسة في كل حي من المدينة على الأقل، وتسمى بالاصطلاح المحلي "دار التلاميد".  

[7]  سنشير إليه فيما يلي باسم شهرته (الولاتي) اختصارا.

[8]  الطالب عبد الله النفاع  بن أحمد حاج العلوشي الداودي، ت. 1226 هـ.، راجع : ابن حامد حياة موريتانيا، الجزء الثقافي، ص. 221.

[9]  المرواني بن الطالب عبد الله النفاع  بن أحمد حاج العلوشي الداودي، ت. 1229 هـ.، راجع : ابن حامد حياة موريتانيا: الحياة الثقافية، ص.222. (وفيه أنه توفي سنة 1129 هـ. والظاهر أنه خطأ مطبعي)

[10]  هو محمد فال بن بابا العلوي الذي مر بمصر مقفله من الحج فأصر الأديب أحمد حمزة على لقائه، ويبدو أنه كان أوصى مضيف ابن بابا "إذا لقي بعضا من علماء شنقيط أن يدله عليه".  وجرت بين ابن بابا وحمزة مشاعرة ظريفة حول اعتذار الأول عن المقام بمنزل الثاني خوفا من البرد. راجع: محمذ بن أحمد المحبوبي "الرحلات الشنقيطية رباط التثاقف والوصال"، مجلة التاريخ العربي، ع. 24، 2002.

[11]  نبه الشيخ محمد عبده في مطلع هذا القرن طلاب الأزهر وعلماءه إلى أهمية تدارس كتاب "الموافقات". وعن طريق محمد عبده تأثر الشيخ محمد رشيد رضا ومدرسة المنار بالمنزع المقاصدي، و في المغرب العربي تأثر بالشاطبي رائدان عظيمان من رواد الإصلاح ، هما الطاهر بن عاشور(راجع كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، تونس، 1366 هـ .)، وعلال الفاسي (راجع كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، الدار البيضاء، ). أما الجابري فقد بنى مشروعه الفكري البياني البرهاني على العودة إلى ابن رشد والشاطبي، حيث اعتبر الثاني امتدادا فكريا للأول (الجابري، بنية العقل العربي، ص. 554).

[12]  الشنقيطي، محمد محمود، التركزي، أسماء أشهر الكتب العربية الموجودة بخزائن مكاتب دولة إسبانيا، نسخة دار الكتب الوطنية بتونس، الرقم 18675، تحقيق عبد الرحمن بلحاج علي، (قيد النشر)

[13]  يقول الشيخ ماء العينين في مقدمة شرحه لنظم الموافقات " لما تفضل الله علي بكتاب الموافقات للشيخ العلامة المحقق القدوة الحافظ الأصولي النظار، أبي إسحاق (...)الشاطبي (..) عام ستة بعد ثلاثمائة، ولم يكن له قبل ذلك في ناحيتنا هذه أثر، ولا بلغ أحدا منهم له خبر، فأخذته واستشعرته بعد أن جعلته دثارا، وجعلت الحائل بيني وبينه الظلام لا مادمت أرى له أنوارا، فإذا هو نور يذهب الظلام وينور البصائر والأبصار، إلا أنه بحر أبحر تغرق فيه البحار، ويرشف الأنهار، فقلت من جاء البحر فليأت أهله بشيء من الدرر...."، المرافق على الموافق، ط.2، 2005، ص. 15 و 16.

[14]  طبع في فاس سنة 1324 هـ / 1906م، وأعيد طبعه سنة 2005، ضمن منشورات مؤسسة الشيخ مربيه ربه، الرباط.

[15]  الولاتي، فتح الودود بسلم الصعود على مراقي السعود، (المقدمة).

[16]  الولاتي، توضيح المشكلات في اختصار الموافقات، مخطوط، ص. 156.

[17]  الولاتي، ن.م.س.، ص. 178.

[18]  نفسه، ص. 179.

[19]  الولاتي، الرحلة، ص. 272

[20]  الولاتي، الرحلة، ص. 315

[21]  الولاتي، الرحلة، ص. 276

[22]  توجد هذه الترجمة في خاتمة كتاب للولاتي حول الكفارات، ضمن مخطوطات المكتبة الوطنية بتونس، تحت رقم 21788، وقد نشرها الباحث محمد الأمين ولد سيد المختار، وعلق عليها ضمن دراسة له بعنوان "جوانب مخفية من حياة وأثار الفقيه محمد يحيى الولاتي"، مجلة الموكب الثقافي، نواكشوط، العددان 32 و 33، السنة 2003.

[23]  محمد باش طبجي الحنفي، روضة الانبساط في تحقيق المناط، تونس، 1928.

[24]  في مقابل طريقة الشافعية المعروفة بطريقة المتكلمين. أما علماء الأصول من المالكية والحنبلية فكانوا في هذا الميدان عالة على الشافعية والحنفية. وظهرت لدى المتأخرين طريقة الجمع بين المنهجين مع الاختصار الشديد كما في جمع الجوامع للسبكي، غير أن المتعمقين في هذه المباحث كانوا ينتهون إلى العودة إلى إحدى الطريقتين حسب مشرب كل مؤلف. فنجد أن الشيخ محمد المامي مثلا قد اتجه إلى طريقة المتكلمين المعروفة بطريقة الشافعية، مما جعل البعض يتساءل حول علاقته بالمالكية ما دام قد "تشفع" ( راجع: محمد البرناوي، الخلاف والاختلاف والاستخلاف، ..محاولة حفر حول فكر الشيخ محمد المام، منشورات معهد سيدي عبد الله بن الفاضل، نواكشوط، 2010، ص. 299. )، أما "الفقيه" الولاتي فقد اختار فيما يبدو "طريقة الفقهاء" الحنفية. ومن الواضح أن اختيار المالكي أو الحنبلي للطريقة الحنفية أو الشافعية في مقاربة مباحث الأصول لا يعني الانتقال عن المذهب الفقهي الأصلي، مالكيا كان أو حنبليا.

[25]  علي بن محمد بن الحسين، المعروف بفخر الإسلام البزدوي، الأصولي المحدث المفسر، من أكبر حفاظ مذهب أبي حنيفة في بلاد ما وراء النهر، ت. 482 هـ. راجع حول ترجمته: ابن قطلوبغا، زين الدين، تاج التراجم في طبقات الحنفية، تحقيق جوستاف فلوجل، ليبزيغ، 1862، ص. 30.

[26]  سالم بن عمر بوحاجب (1243 – 1342 هـ.)، مفتي المالكية في تونس، وشيخ المصلحين بها، وكبير مدرسي جامع الزيتونة، زار تركيا وفرنسا، وأقام ست سنوات في إيطاليا، وكان العضد الأيمن للوزير المصلح خير الدين التونسي، وشاركه في تحرير كتابه أقرب المسالك في معرفة أحوال الممالك، ألف رسائل عديدة، وديوان شعر، وديوان خطب، ورحلته الإيطالية،. أسس مع صديقه الإمام محمد عبده الفرع التونسي السري لجمعية "العروة الوثقى"، راجع حول ترجمته : محمد مخلوف، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، دار الفكر، د.ت.، الترجمة رقم 1689،  ص. 436.

[27]  الولاتي، الرحلة، ص.275

[28]  محمد بن عثمان السنوسي (1267 – 1317 هـ.)، المفكر المصلح، الأديب المؤرخ الرحالة، أخذ عن شيوخ من أشهرهم سالم بوحاجب. تولى مناصب سامية في جهاز الدولة. من تآليفه رحلته الحجازية، ورحلة الاستطلاعات الباريزية، وتأليف في القانون، وديوان شعر، راجع: محمد مخلوف، شجرة النور الزكية، م.س.، الترجمة رقم. 1663،  ص. 416. وأطروحة الشنوفي حول حياته ومآثره (بالفرنسية):

Ali Chenoufi, Un savant tunisien du XIXème siècle : Muḥammad as-Sanūsī, sa vie et son œuvre, Publications de l’Université de Tunis,  1977.

[29]  الولاتي، الرحلة، ص. 275.

[30]  الراجح أن يكون الأمر متعلقا بمجلد يضم أعدادا من مجلة الحاضرة التي كان السنوسي يرأس تحريرها.

[31]  بعد تراجع سياسة الإصلاح في تونس واضطرار خير الدين إلى مغادرة البلاد توجهت أنظار المصلحين التونسيين إلى مصر حيث اتصلوا بالإمام محمد عبده. وهناك انخرط محمد السنوسي في جمعية العروة الوثقى سنة 1299 وأخذ ينشر مبادئها بين صفوف النخبة الناهضة في تونس، مما مهد لقيام محمد عبده برحلته المشهورة  للقاء زعماء الإصلاح في تونس سنة 1302، حيث أقام فرعا سريا لجمعية العروة الوثقى، راجع مثلا: فتحي حسن ملكاوي، محمد الطاهر بن عاشور وقضايا الإصلاح في الفكر الإسلامي المعاصر، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2011، ص.63 وما بعدها

[32]  أسست الجمعية الخلدونية في 18 رجب  1314هـ./23 دجنبر 1896م. راجع: محمد السنوسي، الرحلة الحجازية، تحقيق علي الشنوفي، الدار التونسية للتوزيع، 1976، (مقدمة المحقق، ص. 25).

[33]  وقد يكون من الوارد أن نتساءل حول اختيار الولاتي لعبارة "العروة الوثقى" عنوانا لأبرز مؤلفاته في فقه الكتاب والسنة المعروف بالعروة الوثقى الموصل إلى منبع الحق والتقى (حققه حفيد المؤلف حسني ولد الفقيه، دار النعمان، الجزائر، 2005.). ومع أن الكتاب المشروح ألف قبل رحلة العودة، وذكر المؤلف شرحا له استنسخه مضيفوه وهو في الرباط في طريق الذهاب (الرحلة، ص. 158)، إلا أن عنوان الكتاب آنذاك كان منبع الحق والتقى وشرحه. فمتى تم اختيار "العروة الوثقى" عنوانا للشرح ؟ وهل لذلك علاقة بصلات الولاتي مع جماعة "العروة الوثقى" في تونس؟    

[34]  الولاتي، حسام العدل والإنصاف القاطع لكل مبتدع باتّباع الأعراف، تحقيق وتقديم عبد الرحمن بلحاج علي، دار الميزان للنشر، حمام سوسة، تونس، 2008.

[35]  "قول العاقد في قريتنا هذه عقدت فلانة لفلان بمائة مثقال حالة جعله العرف القولي الخاص بأهل «ولاتة» بمنزلة عقدت فلانة بعشرة أثواب دائرة بين "الخنط" و"الأنصاف" وثياب السودان المصبوغة فلا يلزمه غيرها"، حسام العدل الإنصاف...، م. س. ، ص. 115.

[36]  ن.م.س. ، ص. 127.

[37]  نسخة مخطوطة، محفوظة بالمعهد العالي للبحوث والدراسات الإسلامية، نواكشوط، تحت رقم 18، وقد اعتمدنا على نسخة مصورة منها بمكتبة الأستاذ سيدي عالي بن محمد المختار. 

[38]  عبد الله بن سعد بن أبي جمرة، الأزدي الأندلسي، نزيل القاهرة، ت. 699 هـ. الفقيه المحدث الصالح، راجع طرفا من ترجمته في: أحمد بابا، كفاية المحتاج، دار ابن حزم، بيروت، 2002، ص. 155.

[39]  الولاتي، الرحلة، ص. 88.

[40]  الولاتي، الرحلة، ن.ص.

[41]  يوضح ابن رشد أن سبب الاختلاف في هذا الباب "هو الاحتمال المتطرق إلى الأحوال الراتبة التي اقترنت بهذه الصلاة عند فعله إياها صلى الله عليه وسلم: هل هي شرط في صحتها أو وجوبها أم ليست بشرط؟ وذلك أنه لم يصلها صلى الله عليه وسلم إلا في جماعة ومصر ومسجد جامع. فمن رأى أن اقتران هذه الأشياء بصلاته مما يوجب كونها شرطا في صلاة الجمعة اشترطها، ومن رأى بعضها دون بعض اشترط ذلك البعض" ابن رشد الحفيد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، المكتبة العصرية، بيروت، 2004، ص. 177.

[42]  تسجل تواريخ  المدن الصحراوية وقائع غارات يشنها المحاربون وقت صلاة الجمعة، فيمنعون الإمام من البدء في إقامة الصلاة، أو مواصلتها، ما لم يحصلوا على أموال يريدونها ويعلمون أن أثرياء المدينة يخفونها، فيضطر الموسرون إلى إخراج هذه المكنوزات وإعطائها للمغيرين  مقابل فك الحصار عن المسجد. انظر مثلا: المختار بن حامد. حياة موريتانيا: حوادث السنين. تحقيق د. سيدي أحمد بن أحمد سالم. منشورات هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، أبو ظبي، 2011، ص. 555

[43]  ص. 13 من مخطوط الفتوى

[44]  يذكر المختار بن ابلول في نقلة حول تاريخ عشيرته أن خطة الإمامة قد انتقلت إلى بني محمد بن الحسن في ودان وراثة من أخوالهم الأقيتيين، وسيعرف آل محمد بن الحسن في ودان ببني الإمام. ويذكر صاحب الدر الخالد في ترجمة والده سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم بن الإمام، وهو من الأسرة التي كانت تتولى نفس الخطة في تيجكجة، أن لسلفهم نفس الخؤولة من نفس الأسرة.    

[45]  نشب خلاف حاد في ودان عندما تقدم للإمامة عالم من غير أبناء الإمام محمد بن الحسن فناصرته فئة وعارضته أخرى، وكان الحل تأسيس مسجد جديد في المدينة (راجع المصطفى بن الكتاب، المنهاج...، ص. 5). وقبل ذلك نشبت أزمة مماثلة حول الإمامة في شنقيط، أدت في النهاية إلى هجرة أبناء الإمام السابق من شنقيط. (راجع ابن الحاج إبراهيم، صحيحة النقل..، مخطوط.)

[46]  وثيقة مكتوبة على شكل مقدمة نثرية لقصيدة محمد الديسفي المشهورة في مدح أسلاف "المحاجيب". توجد هذه المخطوطة في مكتبة اباتي ولد بابا في «ولاتة». وقد ترجمت إلى الإنجليزية ضمن دراسة (ت. كليفلاند) حول العلاقات بين «ولاتة» وتنبكت:

Timothy Cleaveland, « Timbuktu and Walata : Lineages and higher education », in : Sh. Jappie & S.B. Diagne (eds.) The Meanings of Timbuktu, HSRC Press, Cape Town, South Africa, 2008, pp. 77-91.

[47]  المحجوبي، الطالب بو بكر بن أحمد المصطفى. منح الرب الغفور في ذكر ما أهمل صاحب فتح الشكور، تحقيق محمد الأمين بن حمادي، كلية الآداب، جامعة نواكشوط، 1992-1993، ج.3، ص. 249 (مرقون).

[48]  محمد بن مسلم الحميري الديسفي التنبكتي، يرجح أنه من أهل القرن التاسع الهجري، اشتهر بقصيدة في مناقب أسلاف "المحاجيب".

[49]  باستقراء أهم وأول كتاب في تراجم العلماء، وهو فتح الشكور، ومؤلفه من علماء ولاتة، ومن غير "المحاجيب"، فإننا نلاحظ أنه لا يثبت نسبة "الولاتي"إلا لعلماء "المحاجيب"، ويكتفي بنسبة غيرهم من العلماء إلى قبائلهم: البرتلي، اليلبي، الغلاوي، اليونسي، إلخ. وهذا ما يعطي دلالة خاصة للتطور الذي أدى في النهاية إلى انفراد الفقيه محمد يحيى بن محمد المختار الداودي بنسبة "الولاتي".

[50] Cleaveland, T. Op. cit.

[51]  المحجوبي، منح الرب الغفور...، م.س.، ص. 263.

[52]   الولاتي، العروة الوثقى، تحقيق حسني بن الفقيه، ص. 27، من مقدمة المحقق عازيا للمؤلف.

[53]  الولاتي، نقض فتوى حول الطلاق، مخطوط.

[54]  راجع بشكل خاص:

Johansen Baber.  « The all-embracing town and its mosques:  al-misr  al-gâmi' ”  In:  Revue de l’Occident musulman et de la Méditerranée, N°32, 1981.  pp.  139-16

[55]  الولاتي، رسالة النصح والوفاء عن الحيف في فض المداراة على أموال الضعفاء، تحقيق الطالبة فتى بنت محمد عبد الله، كلية الآداب، جامعة نواكشوط، 1995 - 1996

[56]  راجع رسالته إلى محمد المختار ين محمد محمود، أمير "مشظوف"، في: العروة الوثقى، م.س.، مقدمة المحقق، ص.31.

[57]  راجع: ولد السعد، م.م.  "الفقهاء الشناقطة ومسألة العقوبة بالمال من خلال فتاوى محمد يحيى الولاتي"، محمد يحيى الولاتي عالم التجديد والتواصل، منشورات مركز البحوث والدراسات الولاتية، نواكشوط، 2013، ص ص. 95-126.

[58]  رسالة إلى الشريف جعفر بن المهدي، مخطوط، مكتبة حسني بن الفقيه الخاصة.

[59]   احتل الفرنسيون تنبكت بتاريخ 10 يناير 1894م. الموافق 3 رجب 1311هـــ.،  وغادر الولاتي مدينته في طريقه إلى الحج بتاريخ 7رجب/14 يناير 1311هــ/1894م.

[60]  راجع فتواه حول" ضرب السلك المسمى بالتلغراف هل يثبت به الهلال أم لا؟، الولاتي، الرحلة، ص.284.

[61]  راجع فتوى الولاتي حول " الحكم الشرعي فيما جرى به العمل في المشرق والمغرب من التفاضل بين السكك في بيع الفضة بعضها ببعض تبعا للقانون الرومي الذي اصطلح عليه أجناس النصارى وأجروه في المسلمين". حققتها الطالبة مريم بنت عبيد الله تحت عنوان "فتوى الولاتي يشأن التفاضل بين السكك في السوس وتيندوف وأزواد"، كلية الآداب بجامعة نواكشوط، السنة الجامعية   1993 - 1994