من أيام المقاومة ضد الإستعمار - المقاومة في الحوض نموذجا
 
"معركة زوروقو"  قرب كمبي صالح فى الحوض الشرقي و "معركة البيض"  في لعصابة من أبرز المعارك التى انتصرت فيها المقاومة فى المناطق الشرقية
******* 
  لقد وقع الاحتكاك بين الأوربيين وسكان البلاد منذ قرون. حيث وقعت مناوشات عسكرية بينهم منذ القرن السابع عشر إذ كانت شواطئ المحيط الأطلسي مسرحا لعمليات ومناوشات عديدة. ومعروف أن حربا طاحنة وقعت على الضفة اليمنى لنهر السينغال (في أواسط القرن التاسع عشر) بين إمارة الترارزة بزعامة محمد لحبيب ولد المختار ولد أعمر والفرنسيين بقيادة فيدرب بغية السيطرة على المجال الزراعي ومنافذ الصمغ. ومهما يكن، فإن بداية القرن العشرين شكلت المنطلق الفعلي لمقاومة أعم وأكثر تنظيما.
  أما المناطق الشرقية -والتى وصل إليها المستعمر بشكل متأخر عن الترارزة وغيرها- فإن المقاومة فيها لم تتأخر إلى التاريخ الذي تقدمها به المناهج المدرسية (مقاومة أهل عبدوك) فقد اندلعت في المنطقة أعمال عنف مسلحة ضد المستعمرين منذ نهاية القرن التاسع عشر رغم محاولة تقارير الإدارة الاستعمارية تصنيفها على أنها موجهة ضد السكان المحتمين به.

  ولعل بعض العوامل حدت من زخم المقاومة، أهمها أفول الإمارات فى المنطقة الشرقية، والفوضى بسبب الغارات التى كانت تشنها قبائل مرتزقة على الآمنين فى الحوض، وعدم وجود أمراء متنفذين قادرين على جمع المقاتلين وتزويدهم بالسلاح والإعداد للحرب بشكل أكثر تنظيما.

ومع ذلك، فقد واجه الفرنسيون مقاومة شرسة في الحوض، خاصة مع رئيس قبيلة أولاد علوش الداوديين؛ الشيخ ولد سيدي الذي ظل يهاجم الفرنسيين ويناورهم ويؤلب القبائل البيضانية والطوارقية والفلانية ضدهم حتى وفاته واستمر الأمر مع ولده سيدي الذي قاد القبيلة من بعده.
وحين احتل الفرنسيون قرية باسكنو رد أولاد داود بهجوم على قريتي تندراويين وتكوبي الموجودتين تحت حماية الفرنسيين كما يذكر بول مارتي.

بعد أولاد داود، جاء دور قبيلة أولاد سيد المشظوفية بقيادة أهل عبدوك (وهم أسرة تنتمي لفخذ من مشظوف يدعى أهل سيدي إلا أنهاأصبحت أكثر شهرة من فخذ أهل سيدي نفسه نظرا لإنخراطها في مقاومة المستعمر)، والتي خاضت المقاومة في مساحات شاسعة امتدت من ضفاف نهر النيجر شرقا وحتى هضاب النعمة في الحوض غربا وصحاري تكانت وفي منطقة آدافر، وكانت بداية مقاومتهم عندما قَتل الشيخ ولد عبدوك حرسيين يوم 12 فبراير 1912 عند مكان شرق النعمة يسمى الفرفرات وتبع ذلك عدة وقائع بين الطرفين، كما لجأ أهل عبدوك لأسلوب الهجمات على قوافل التموين القادمة من السودان الفرنسي( مالي).

 وقد إشتهرت سلسلة جبال النعمة -تاريخيا- بأنها كانت بمثابة قاعدة خلفية لجناح من المقاومة الوطنية ضد المستعمر الفرنسي بقيادة الشيخ ولد عبدوكه وإزوين ولد عبدوكه- عليهما الرحمة. حيث تحيط بمدينة النعمة سلسلة من الجبال شرقا وشمالا وجنوبا وتبقي الجهة الغربية هي المنفذ شبه الوحيد للمدينة... ومن هنا الأهمية الاستراتيجية لهذا الموقع بالتحديد الذى اختاره رجال المقاومة للتمترس...  فكانوا يتحصنون في هذه الجبال ويشنون حرب عصابات على الحاميات الفرنسية في مختلف أنحاء الحوض حيث كان النصر حليفهم في أغلب العمليات التي قاموا بها.
وكانت العامة من الناس مؤيدين لأهل عبدوك يمدونهم بالسلاح والغذاء والدواب ويضمنون لهم اللجوء في أحيائهم بل ويخبرونهم بتحركات المستعمرين كما تعترف الوثائق الفرنسية، كما أن ذكريات حملة القمع التي تعرضوا لها ما تزال على الألسنة. ومن تلك الذكريات قيام الاحتلال بقطع رأسي شخصين عند أحد الأحساء المشهورة في منطقة عدل بكرو "مبروك يداس" بعد أن نفيا معرفتهما بمكان وجود أهل عبدوك
 

 "معركة زوروقو"
 خاض المقاومون بقيادة ولدعبدوك معارك مشهودة كما أسلفنا. ولعل أشهر تلك المعارك "معركة زوروقو" التي تمكن من خلالها رجال المقاومة من  سحق سرية فرنسية بأكملها.
و "زوروقو" هي بحيرة فصلية في الحافة الشمالية لوادي ’الخط’ الذي يفيض في فصل الخريف بالمياه القادمة من الشرق والمتجهة غربا. وتقع البحيرة على بعد 12كم إلى الشمال الشرقي من مدينة كمبي صالح (عاصمة إمبراطورية غانا) و50 كم إلى الجنوب من مدينة تمبدغة وتتبع زوروقو لبلدية كمبي صالح التابعة لمقاطعة تمبدغة.

عرفت غابة زوروقو تاريخيا بالمعركة التي دارت رحاها في عين المكان بين قوات المستعمر الفرنسي والمقاومة الوطنية بقيادة الشيخ ولد عبدوكه وإزوين ولد عبدوكه حيث علمت القوات الفرنسية بورود أفراد من المقاومة بئر البدع (30 كم شمال تمبدغة) فقامت سرية من الجيش الفرنسي مدعومة بمجندين (كوميات) بتقفي أثرهم نحو الجنوب فسلكوا طريقا يمر ببئر المالحة ،بحيرة أمات التيكاتن ، أكنكاي ،بيرة، لكليوات الشرقين وأخيرا عزز أفراد المقاومة مواقعهم في كمين حول بحيرة زوروقو وعندما ورد أفراد السرية الفرنسية البحيرة باغتهم رجال المقاومة وبعد معركة شرسة تمكن رجال المقاومة من القضاء على السرية الفرنسية.

ويُنقل عن الشيخ (الكبير) ولد الشيخ (شاهد عيان- كان آنذاك مراهقا) إنه قدم ضمن رفقة من فخذ أهل إبو المشظوفي إلى بحيرة "زوروقو" ليستقوا مباشرة بعد إنتهاء المعركة وقال إنه رأى بأم عينه الجثث مرمية على الأرض ...

 المقاومة في لعصابة والحوضين
معركة البيض 1909
ومن معارك المقاومة أيضا في لعصابة والحوضين معارك "قلب اجمل"، "آجار ولد الغوث"، و كذلك "معركة البيض" سنة 1909 م، بقيادة البطل سيدي ولد الغوث رحمه الله.
وقد تميزت "معركة البيض" بالشراسة والعنف نظرا للمكانة الاستراتيجية التي تحتلها ولاية لعصابه والتي يعتبرها المستعمر مدخلا الي الحوضين.
بدأت أحداث معركة البيض حين امتنع البطل المجاهد سيدي ولد الغوث من مبايعة القوى الاستعماريه في منطقة لعصابه معلنا بذلك الحرب علي المستعمر الفرنسي الذي بدأ نفوذه يتوسع في المنطقة يوما بعد يوم، وانضمت مجموعات كبيرة من المقاومين إلي البطل سيدي ولد الغوث، سواء من منطقة لعصابة أو من الحوضين، والذين رأوا أن الوجود الاستعماري في تلك المنطقة مذلة وغزو وطمس للهوية الاسلامية.
استطاع البطل سيدي ولد الغوث، رغم الحصار والعزلة التي عاشها المجاهدون، إرسال ابنه  محمد محمود ولد الغوث علي رأس قافلة إلي بلاد المغرب وخاصة مدينة السماره لشراء الذخيرة والعتاد، و قد كان للشيخ المجاهد ماء العينين الحوضي أثر كبير في استضافة المقاومين ومساعدتهم.
بعد عودة القافله وهي مزودة بالذخيرة والعتاد ازداد حماس المجاهدين واندلعت نيران معركة البيض في صيف 1909م و كان ذلك في منطقة البيض الواقعة على بعد 160 كلم شمال مدينة كيفه، حيث مثلت انتصارا للحرية والإباء والشموخ، و استطاع المجاهدون الأبطال من خلالها دحر المستعمر -ولو مؤقتا- في مناطق لعصابة والحوضين، وتذكر المصادر التاريخية قائمة طويلة من المجاهدين الذين شهدوا معركة البيض وشاركوا فيها سنة 1909م، كما أن مئات من الأبطال استشهدوا فى المعركة لتبقى ذكراهم و أرواحهم مخلدة في تاريخ البلاد.  ومن أبرز الأسماء:
البطل المجاهد سيدي ولد الغوث (قائد معركة البيض, معركة علب أجمل و معركة آجار ولد الغوث)،  محمد محمود ولد الغوث ،عبد الرحمان ولد احمد لبراهيم ، احمد ولد محمد سيد احمد الملقب احمد لقرع، لحبيب ولد احمد بوبه، وممن استشهد في المعركة: متار ولد عبد فال، احمد طالب ولد محمد الشيخ ، محمد الأمين ولد محمد الشيخ الملقب اعبيد، محمد ولد سيد ولد الغوث الملقب بو عسريه.
وبعد،

فقد حق علينا أن نترحم على أرواح هؤلاء المجاهدين الشهداء وأرواح إخوانهم من المقاومين فى سائر مناطق البلد، ممن أبوا إلا أن ينتفضوا ويُضحوا دفاعا عن حوزة  البلاد و عن حرية العباد، و محافظة علي هويتنا الإسلامية.